ثم ذكر سبحانه قصة جماعة أخرى من المنافقين الذين ارتبطت __________________ (1) بحار الأنوار : ج 21 ص 202. (2) راجع الكافي : ج 2 ص 381. ____________________________________ قصتهم بقصة تبوك وهم الذين أرادوا أن يتستروا بمسجد «ضرار» لحبك المؤامرات ضد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم والمسلمين ، وأرادوا انقلاب الأمر في المدينة لكن الله وقى المسلمين شرهم وأعلم الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم بما نووه من المكر. فقد روى بعض أهل السير : أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب وكان قد تنصّر وله عبادة في الجاهلية وله شرف كبير في قبيلته الخزرج ، فلما قدم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم مهاجرا إلى المدينة واجتمع عليه المسلمون وصارت للإسلام كلمة عالية وأظهرهم الله يوم بدر ، شرق أبو عامر بريقه وبارز بالعداوة وظاهر بها وخرج فارا إلى كفار مكة من مشركي قريش يمالؤهم على حرب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب وقدموا عام أحد. وكان من أمر المسلمين ما كان ، وقد امتحنهم الله عزوجل وكانت العاقبة للمتقين ، وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين ، فوقع في إحداهن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأصيب ذلك اليوم ، فجرح وجهه ، وكسرت رباعيته اليمنى السفلى وشج رأسه صلىاللهعليهوآلهوسلم. وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار فخاطبهم وحثهم إلى نصرته وموافقته ، فلما عرفوا كلامه قالوا : لا أنعم الله بك عينا يا فاسق يا عدو الله ، ونالوا منه وسبّوه ، فرجع وهو يقول : والله لقد أصاب قومي شر. ولما فرغ الناس من أحد ورأى أمر الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم في ارتفاع وظهور ذهب إلى «هرقل» ملك الروم يستنصره على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فوعده ومنّاه وأقام عنده ، وكتب إلى جماعة من قومه من وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً ____________________________________ الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله ويغلبه ويردّه عمّا هو فيه ، وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليه من عنده لأداء كتبه ويكون مرصدا لهم إذا قدم عليهم بعد ذلك. فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد «قبا» فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى تبوك وجاءوا فسألوا الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته ، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية ، فعصمه الله من الصلاة فيه ، فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : أنا على سفر ولكن إذا رجعنا إن شاء الله. فلما قفل صلىاللهعليهوآلهوسلم راجعا إلى المدينة من تبوك ، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم نزل عليه الوحي بخبر مسجد «ضرار» وما أبطن بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم ـ مسجد قبا ـ فأرسل الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم من هدم المسجد وأحرقه ، وأمر أن يتخذ مكانه كناسة يلقى فيها الجيف والقمامة ، وردّ الله كيده ، فأصاب أبا عامر قبل رجوعه إلى المدينة بالقولنج والبرص والفالج واللّقوة ، وبقي أربعين يوما في عذاب الدنيا ، ثم هلك إلى عذاب السعير (1). وفي هذه القصة نزلت هذه الآيات : (وَ) منهم (الَّذِينَ اتَّخَذُوا) أي بنوا (مَسْجِداً) وهو اسم لبقعة يتّخذ للصلاة ، وإن كان أصله بمعنى موضع السجود (ضِراراً) أي مضارّة ، فإنه مصدر من باب «المفاعلة» ، يقال : «ضارّ ضرارا وضيرارا» ، __________________ (1) تفسير الإمام العسكري : ص 487. وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (107) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى ____________________________________ فإنهم بنوه لأجل الإضرار بالمسلمين (وَكُفْراً) لأجل الكفر (وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي لاختلاف الكلمة وإبطال الألفة ، وجعل المسلمين طائفتين ، الموالي للرسول ، والمخالف له (وَإِرْصاداً) لأجل الإعداد للفتنة ، وأن يجعلوه محل رصد وإشراف (لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ) وهو أبو عامر الراهب. وهذا أبو حنظلة غسيل الملائكة الذي هو من أخيار المؤمنين ، وقد تقدم أن أبا عامر كان حربا للرسول من قبل غزوة تبوك. وقد سماه الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ب «الفاسق». (وَلَيَحْلِفُنَ) أي يحلف هؤلاء الذين اتخذوا المسجد وكانوا اثني عشر (إِنْ أَرَدْنا) أي ما أردنا ببنائنا للمسجد (إِلَّا الْحُسْنى) أي الفعلة الحسنة ، من إقامة الصلاة ، ودرك الجماعة في الليلة الشاتية والممطرة للضعفاء ونحوهم (وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) فإنهم لم يريدوا ببنائه الحسنى ، بل السوءة والتآمر على الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم وكفى بالله شهيدا على ذلك ، بالإضافة إلى ما عرف بعد ذلك من الأدلة والشواهد.