۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة التوبة، آية ١٠٦

التفسير يعرض الآية ١٠٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَءَاخَرُونَ مُرۡجَوۡنَ لِأَمۡرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمۡ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيۡهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ١٠٦

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

كان المتخلفون عن غزوة تبوك بين منافق معتذر ، ومنافق غير معتذر ، ومخطئ معترف (وَ) هناك (آخَرُونَ) من المتخلفين (مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ) أي مؤخّرون موقوفون ، من «أرجأ» بمعنى «أخّر» فلم يكن هذا القسم منافقا ، ولا مخطئا ، بل إنما تخلّف توانيا عن الاستعداد حتى فاته المسير ، ولم يكن قبل نزول الآية قد بتّ في أمرهم بشيء بل كان موكولا إليه سبحانه ، إما يعذبهم بتوانيهم ، وإما يتوب عليهم بسبب أنهم لم ينافقوا ولم تدنس قلوبهم (إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ) لعصيانهم وتخلفهم (وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ) لنقاء قلوبهم (وَاللهُ عَلِيمٌ) __________________ (1) بحار الأنوار : ج 23 ص 347. حَكِيمٌ (106) ____________________________________ بنياتهم وسبب توانيهم عن غزوة تبوك (حَكِيمٌ) فيما يفعله بهم من العذاب والتوبة. لكن الله سبحانه تاب عليهم أخيرا ، وهؤلاء هم الذين ذكروا في قوله تعالى في آخر السورة (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) (1) وكان من قصتهم ما ذكره المفسرون حيث قالوا : قد كان تخلف عن رسول الله قوم منافقون وقوم مؤمنون مستبصرون لم يعثر عليهم في نفاق وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية ، فلما تاب الله عليهم قال كعب : ما كنت قط أقوى مني في ذلك الوقت الذي خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى تبوك وما اجتمعت لي راحلتان إلا في ذلك اليوم فكنت أقول : أخرج غدا ، أخرج بعد غد ، فإني قوي ، وتوانيت وبقيت بعد خروج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أياما أدخل السوق ولا أقضي حاجة ، فلقيت هلال ومرارة وقد كانا تخلّفا أيضا فتوافقنا أن نبكر إلى السوق ولم نقض حاجة ، فما زلنا نقول : نخرج غدا وبعد غد حتى بلغنا إقبال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فندمنا ، فلما وافى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استقبلناه نهنّئه بالسلامة فسلمنا عليه ، فلم يرد علينا السلام وأعرض عنا ، وسلمنا على إخواننا فلم يردوا علينا السلام. فبلغ ذلك أهلونا فقطعوا كلامنا ، وكنا نحضر المسجد فلا يسلم علينا أحد ولا يكلمنا ، فجاءت نساؤنا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلن : قد بلغنا سخطك على أزواجنا أفنعتزلهم؟ فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا تعتزلنهم ولكن لا يقربوكن ، فلما رأى كعب وصاحباه ما حل بهم __________________ (1) المستدرك : ج 7 ص 12. ____________________________________ قالوا : ما يقعدنا بالمدينة ولا يكلمنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا إخواننا ولا أهلنا فهلموا نخرج إلى هذا الجبل فلا نزال فيه حتى يتوب الله علينا أو نموت. فخرجوا إلى «ذناب» جبل بالمدينة فكانوا يصومون وكان أهلوهم يأتونهم بالطعام فيضعونه ناحية ثم يولون عنهم فلا يكلمونهم ، فبقوا على هذه الحالة أياما كثيرة يبكون بالليل والنهار ، ويدعون الله أن يغفر لهم ، فلما طال عليهم الأمر قال كعب : يا قوم قد سخط الله علينا ورسوله وسخط علينا إخواننا وسخط علينا أهلونا ، فلا يكلم أحد منهم صاحبه حتى يموت أو يتوب الله عليه. فبقوا على هذا ثلاثة أيام كلّ منهم في ناحية من الجبل لا يرى أحد منهم صاحبه ولا يكلمه ، فلما كان في الليلة الثالثة ورسول الله في بيت أم سلمة نزلت توبتهم على رسول الله ، وهو قوله سبحانه : (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ ..) فأرسل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من يبشرهم ، وجاءوا مسلّمين على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد بان السرور في وجهه الشريف صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتصدق كعب بثلث ماله شكرا لله تعالى (1). وفي بعض الأحاديث : انطباق الآية على مثل «الوحشي» قاتل حمزة عليه‌السلام حيث أسلم بعد الجريمة ، فإنه مرجأ لأمر الله إما يعذبه وإما يتوب عليه (2).