۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة الأنفال، آية ٤٨

التفسير يعرض الآية ٤٨

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٞ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكُمۡ إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٤٨

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

في موقعة بدر جاء إبليس إلى كفار مكة في صورة سراقة بن مالك فقال لهم : إني جار لكم ادفعوا إليّ رايتكم. فدفعوها إليه وجاء (1) بحار الأنوار : ج 19 ص 236. بشياطينه يهول بهم على أصحاب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأقبلت قريش يقدمها إبليس معه الراية فنظر إليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال لأصحابه : غضوا أبصاركم وعضوا على النواجذ ولا تسلّوا سيفا حتى آذن لكم. ثم رفع يده إلى السماء فقال : «يا رب إن تهلك هذه العصابة لم تعبد ، وإن شئت لا تعبد ، لا تعبد» (1) ثم أصابه الغشي فسري عنه وهو يسلت العرق عن وجهه وهو يقول : هذا جبرائيل قد أتاكم في ألف من الملائكة مردفين. فنظروا فإذا بسحابة سوداء فيها برق لامع قد وقع على عسكر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقائل يقول : أقدم حيزوم ، أقدم حيزوم. وسمعوا قعقعة السلاح من الجو ونظر إبليس إلى جبرائيل فتراجع ورمى باللواء فأخذ منبه بن الحجاج بمجامع ثوبه ثم قال : ويلك يا سراقة تفت في أعضد الناس ، فركله إبليس ركلة في صدره وقال : إني بريء منكم. (وَ) قد كان ذلك (إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ) أي في وقت حسّن الشيطان أعمال المشركين في نظرهم بأن شجّعهم على قتال المسلمين ، ويحتمل أن يكون «إذ» معمولا لفعل مقدّر هو «اذكر» (وَقالَ) الشيطان للكفار : (لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ) أي لا يغلبكم أحد من الناس لكثرتكم وقوتكم فانهضوا لقتال المسلمين ـ في بدر ـ (وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ) من الإجارة ، ناصر لكم على عدوّكم (فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ) أي التقت ، فرقتا المسلمين والكافرين (1) بحار الأنوار : ج 19 ص 255. (نَكَصَ) الشيطان أي رجع (عَلى عَقِبَيْهِ) أي متقهقرا منهزما ، فإن الإنسان إذا أراد أن يتقهقر اعتمد على عقب رجليه ، وهذا تشبيه لإفادة الفرار مع الجبن ، فإن الجبان لا يدبر خوفا من أن يلحقه الطلب. (وَقالَ) الشيطان للكفار : (إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ) فلا صلة بيننا ، ولا أفي بما ضمنت لكم من الإجارة والنصر (إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ) فقد رأى الشيطان الملائكة وكان يعرفهم ، وعلم أنه لا طاقة له بهم ، كما أن الملائكة كانت تعرف الشيطان (إِنِّي أَخافُ اللهَ) بأن يعذبني على أيدي الملائكة (وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ) لا يطاق عذابه. وفي بعض التفاسير : وإنما قام الشيطان بهذا العمل ـ أي تشجيع الكفار ـ لأن الله سبحانه شاء أن يخرجهم إلى حرب المسلمين ، فتنكسر شوكتهم وتذهب ريحهم ويتحطم كبرياؤهم. ومن الانهزامية المادية أن نأوّل هذه الآية كسائر الآيات المبينة لما وراء المادة ، بتأويلات لا تنافي الأمور المادية ، فإن التأويل إنما يصح إذا دل عقل أو نقل قطعي على خلاف الظاهر ، أما إذا لم يدل دليل ولم تكن هناك قرينة ، فأي مبرّر لأن نترك الظاهر بمجرد أنه يلائم الأمور المادية ، ولو فتح هذا الباب للزم أن نقول بذلك حتى في القرآن الحكيم نفسه ، إذ هو أيضا أمر خارج عن طوق المادة.