۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة الأنفال، آية ٤٩

التفسير يعرض الآية ٤٩

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٤٩

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

في موقعة بدر جاء إبليس إلى كفار مكة في صورة سراقة بن مالك فقال لهم : إني جار لكم ادفعوا إليّ رايتكم. فدفعوها إليه وجاء __________________ (1) بحار الأنوار : ج 19 ص 236. وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ ____________________________________ بشياطينه يهول بهم على أصحاب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأقبلت قريش يقدمها إبليس معه الراية فنظر إليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال لأصحابه : غضوا أبصاركم وعضوا على النواجذ ولا تسلّوا سيفا حتى آذن لكم. ثم رفع يده إلى السماء فقال : «يا رب إن تهلك هذه العصابة لم تعبد ، وإن شئت لا تعبد ، لا تعبد» (1) ثم أصابه الغشي فسري عنه وهو يسلت العرق عن وجهه وهو يقول : هذا جبرائيل قد أتاكم في ألف من الملائكة مردفين. فنظروا فإذا بسحابة سوداء فيها برق لامع قد وقع على عسكر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقائل يقول : أقدم حيزوم ، أقدم حيزوم. وسمعوا قعقعة السلاح من الجو ونظر إبليس إلى جبرائيل فتراجع ورمى باللواء فأخذ منبه بن الحجاج بمجامع ثوبه ثم قال : ويلك يا سراقة تفت في أعضد الناس ، فركله إبليس ركلة في صدره وقال : إني بريء منكم. (وَ) قد كان ذلك (إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ) أي في وقت حسّن الشيطان أعمال المشركين في نظرهم بأن شجّعهم على قتال المسلمين ، ويحتمل أن يكون «إذ» معمولا لفعل مقدّر هو «اذكر» (وَقالَ) الشيطان للكفار : (لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ) أي لا يغلبكم أحد من الناس لكثرتكم وقوتكم فانهضوا لقتال المسلمين ـ في بدر ـ (وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ) من الإجارة ، ناصر لكم على عدوّكم (فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ) أي التقت ، فرقتا المسلمين والكافرين __________________ (1) بحار الأنوار : ج 19 ص 255. نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (48) إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ ____________________________________ (نَكَصَ) الشيطان أي رجع (عَلى عَقِبَيْهِ) أي متقهقرا منهزما ، فإن الإنسان إذا أراد أن يتقهقر اعتمد على عقب رجليه ، وهذا تشبيه لإفادة الفرار مع الجبن ، فإن الجبان لا يدبر خوفا من أن يلحقه الطلب. (وَقالَ) الشيطان للكفار : (إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ) فلا صلة بيننا ، ولا أفي بما ضمنت لكم من الإجارة والنصر (إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ) فقد رأى الشيطان الملائكة وكان يعرفهم ، وعلم أنه لا طاقة له بهم ، كما أن الملائكة كانت تعرف الشيطان (إِنِّي أَخافُ اللهَ) بأن يعذبني على أيدي الملائكة (وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ) لا يطاق عذابه. وفي بعض التفاسير : وإنما قام الشيطان بهذا العمل ـ أي تشجيع الكفار ـ لأن الله سبحانه شاء أن يخرجهم إلى حرب المسلمين ، فتنكسر شوكتهم وتذهب ريحهم ويتحطم كبرياؤهم. ومن الانهزامية المادية أن نأوّل هذه الآية كسائر الآيات المبينة لما وراء المادة ، بتأويلات لا تنافي الأمور المادية ، فإن التأويل إنما يصح إذا دل عقل أو نقل قطعي على خلاف الظاهر ، أما إذا لم يدل دليل ولم تكن هناك قرينة ، فأي مبرّر لأن نترك الظاهر بمجرد أنه يلائم الأمور المادية ، ولو فتح هذا الباب للزم أن نقول بذلك حتى في القرآن الحكيم نفسه ، إذ هو أيضا أمر خارج عن طوق المادة.