وحيث سبق الكلام حول قصة بدر ، يعود السياق ليذكر جوانب أخرى من القصة كما هو عادة القرآن الحكيم ، حيث يبيّن من القصة جوانب معينة فقط ، ثم يبيّن تلك الجوانب في ثنايا آيات أخرى ، لتبقى للقصة ظرافتها ، ولئلّا تكون مملّة ككتب التاريخ التي تسرد القصص ، ولأن يكون للنفس شوق وتلهف إلى القرآن وإلى القصة يسوقان الإنسان إلى التملّي منها. وتبتدئ بذكر الغنيمة والحكم فيها ، كما ابتدأت السورة بذكرها في الجملة فقال سبحانه : (وَاعْلَمُوا) أيها المسلمون (أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) والغنيمة : هي الفائدة مطلقا سواء حصلت من الحرب أو من غيرها ، وإن كان مورد نزول الآية غنائم دار الحرب ، وكلمة «من شيء» للتأكيد ، أي سواء كانت الغنيمة قليلة أو كثيرة (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى) أي قرابة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو الإمام عليهالسلام ، فالنصف من الخمس أي عشرة من المائة منه للإمام عليهالسلام ، إذ حصة الله سبحانه للرسول وحصة الرسول للإمام ، وفي حال الغيبة يدفع هذا النصف إلى نواب الإمام وهم الفقهاء الجامعون للشرائط ، وهم يصرفونه في ترويج الإسلام ، حيث قال الإمام عليهالسلام : «إن الخمس عوننا على ديننا» (1). وإنما ذكر «الله» سبحانه تعظيما لأمر الرسول والإمام واحتراما لهما ، حيث قرنا به ، وإلّا فالأموال كلها لله سبحانه (وَ) النصف الآخر من الخمس ل (الْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) ممن ينتهي نسبه __________________ (1) الكافي : ج 1 ص 547. إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41) ____________________________________ إلى هاشم جدّ الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم من السادة. ويشترط في هؤلاء الفقر ، وقد عوّضهم الله عن الزكاة التي جعلت لغير السادة ـ إذا كانت من غير السادة ـ ثم أن الأربعة أخماس الباقية من الغنيمة ، تقسم بين المقاتلين في غنائم دار الحرب ، ولصاحب المال في خمس سائر الغنائم ، فإن الخمس يجب في سبعة أشياء : غنائم دار الحرب ، والمكاسب مطلقا ، والغوص ، والكنز ، والمعدن ، والحلال المختلط بالحرام ، والأرض المنتقلة إلى الذمي (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ) أي لا تطمعوا في كل الغنيمة إن كنتم آمنتم بالله ، فهو متعلق بقوله «واعلموا» وليس مفهوم الشرط : أن الخمس ليس لهؤلاء إن لم تكونوا آمنتم ، بل مفهومه إن كنتم آمنتم تؤمنون بذلك. (وَ) إن كنتم آمنتم ب (ما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا) يعني الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم (يَوْمَ الْفُرْقانِ) أي يوم فرقنا بين الحق والباطل وهو يوم بدر (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ) جمع المؤمنين من أصحاب الرسول وجمع الكافرين من أهل مكة للقتال ، والمراد ب «ما أنزلنا» الملائكة أو النصر ، إي : إن كنتم مؤمنين بالله وبما أنزل من النصر والملائكة على الرسول يوم بدر ، تؤمنون بهذا الحكم الذي هو كون الخمس للطوائف الستة المذكورين وليس للمقاتلين فيه حق (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فيقدر أن ينصر الجماعة القليلة على الجماعة الكثيرة.