۞ الآية
فتح في المصحفإِذۡ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلٗاۖ وَلَوۡ أَرَىٰكَهُمۡ كَثِيرٗا لَّفَشِلۡتُمۡ وَلَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٤٣
۞ تقريب القرآن إلى الأذهان
التفسير يعرض الآية ٤٣
۞ الآية
فتح في المصحفإِذۡ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلٗاۖ وَلَوۡ أَرَىٰكَهُمۡ كَثِيرٗا لَّفَشِلۡتُمۡ وَلَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٤٣
۞ التفسير
إن المسلمين خرجوا من المدينة لإدراك قافلة أبي سفيان التجارية فنزلوا بضفة الوادي القريبة من المدينة ونزل جيش المشركين ـ الذين إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ____________________________________ جاءوا من مكة لإنقاذ القافلة ـ بقيادة أبي جهل على الضفة الأخرى البعيدة من المدينة ، وبين الفريقين ربوة ، أما القافلة فقد مال بها أبو سفيان إلى سيف البحر أسفل من الجيش ، ولم يكن كلا الجيشين يعلم بموقع الجيش الآخر حتى أنه لو كان بينهما موعد للقاء لم يجتمعا بهذه الكيفية ولكن الله جمعهما على جانبي الربوة لينصر المسلمين على الكفار ويرى الجميع من الدلائل الباهرة ما يكفي لإتمام الحجة ، وقد رأى الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم في الرؤيا جيش المشركين قليلا فأخبر أصحابه بذلك ، فاستبشروا وتشجعوا وأقدموا على القتال ، ولو رآهم كثيرا وأخبر أصحابه بذلك لخافوا ووجلوا فيفشلوا ، ولم تكن الرؤيا كاذبة فإنهم بعددهم الكثير كانوا قليلا في الواقع بالنسبة إلى قواهم المعنوية الضئيلة. والقرآن الحكيم يبيّن هذا الطرف من القصة بقوله سبحانه : (إِذْ أَنْتُمْ) «إذ» متعلق بقوله : (وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا) أي أن إنزالنا كان في وقت كنتم أيها المسلمون (بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا) مؤنث «أدنى» أي العدوة القريبة من المدينة ، و «العدوة» شفير الوادي ، فإن لكل وادي عدوتان أي جانبان (وَهُمْ) أي الكفار (بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى) مؤنث «الأقصى» بمعنى البعيدة ، أي في الطرف البعيد من الوادي ، وبعده باعتبار المدينة المنورة (وَالرَّكْبُ) أي قافلة قريش التجارية ، وهو جمع «راكب» ، كصاحب وصحب (أَسْفَلَ مِنْكُمْ) أي في مكان أسفل منكم إلى جانب البحر ، وليس المراد ب «الأسفل» الانخفاض بل الأبعد. وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ____________________________________ والفائدة في ذكر هذه المواطن الإخبار الدال على قوة المشركين وضعف المسلمين وإن غلبتهم في مثل هذه الحالة كان بأمر إلهي وذلك أن العدوة القصوى كان فيها الماء ولا ماء بالعدوة الدنيا ، وكانت رخوة تسوخ فيها الأرجل وكانت العير وراء ظهورهم مع كثرة عددهم فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم وتحملهم على أن لا يبرحوا مواطنهم ويبذلون نهاية جهدهم ، ومع ذلك فقد نصر الله المسلمين. (وَلَوْ تَواعَدْتُمْ) أنتم والكفار على اللقاء في مكان واحد (لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ) فإنكم كنتم تخافونهم لكثرتهم واستعدادهم ، وهم كانوا يخافونكم لشدة بطشكم ، وما أدخل في قلوبهم من الرعب منكم ، فقد كانت أسباب عدم القتال ، أو القتال بهزيمتكم متوفرة (وَلكِنْ) شاء الله سبحانه وقدّر أن يجمعكم بهذه الكيفية وينصركم عليهم (لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً) أي ينفذه ويأتي به إلى الوجود (كانَ مَفْعُولاً) أي واجبا أن يفعل ومقدرا أن يكون ، فقد قضى سبحانه إعزاز الإسلام ونصرة المسلمين. وإنما قضى ذلك (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ) أي ليموت من يموت من الكافرين بعد تمام الحجة عليه ، فإن نصر المسلمين بتلك الكيفية كان من البراهين الدالة على صدق الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم فمن لم يؤمن بعد ذلك ومات ، كان هلاكه بعد إتمام الحجة عليه (وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) أي يعيش من عاش منهم بعد إتمام الحجة عليه ، وهذا كما وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ____________________________________ يقال : «أتممت الحجة على الأحياء والأموات» ، أو المراد من «الهلاك والحياة» الكفر والإسلام ، فقد تقدم أن الحياة الكاملة في الإسلام ، كما أن الكافر ليس إلا ميتا في كثير من الأمور الحيوية ، ولذا يقال عن المؤمن أنه حي ، وعلى الكافر أنه ميت ، كما قال سبحانه : (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ) (1) ، (وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ) لأقوالكم (عَلِيمٌ) بضمائركم ، فإن الحرب غالبا مثار كلام غير لائق ونيات سيئة ، ولذا يذكّرهم سبحانه بوجوب حفظ الألسنة والضمائر عن السوء.