۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة الأنفال، آية ١٨

التفسير يعرض الآية ١٨

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ذَٰلِكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيۡدِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٨

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

ثم ذكر سبحانه أن السبب الحقيقي في انهزام الكفار إنما كان هو الله سبحانه (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ) أي لم تقتلوا الكفار أنتم أيها المسلمون. و «النفي عنهم» باعتبار كونهم السبب الأضعف ، فلو لا تشجيع الله سبحانه بإنزال الملائكة وإنزال المطر وتقوية قلوبهم ومساعدة الملائكة لهم في القتل والأسر لم يتمكنوا من الغلبة عليهم ، ومن المتعارف أن ينسب الفعل إلى أقوى السببين (وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ) بتهيئة الأسباب وإلقاء الرعب في قلوب الكفار حيث انهارت أعصابهم (وَما رَمَيْتَ) يا رسول الله ، أو أيها المسلم (إِذْ رَمَيْتَ) والمراد بالأول : الرمي المصيب ، فإن الفعل ينفى عمن لم تكن نتيجة الفعل بقدرته ، كما يقال لمن ألقى حجرا بدون معرفة فاصطاد طائرا : «فما صدت أنت وإنما صادته الصدفة». ولعل المراد ب «الرمي» ، رمي القوم بالهلاك ، كما يقال : «رماه الله بهلاك ونكال». (وَلكِنَّ اللهَ رَمى) فإنه كان السبب الأقوى في هلاكهم ونكالهم. وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً ____________________________________ وذكر جمع من المفسرين : أن المراد بذلك ، رمي الكفار بالتراب ، فإن جبرئيل عليه‌السلام قال للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم بدر : خذ قبضة من تراب فارمهم بها. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما التقى الجمعان لعلي عليه‌السلام : أعطني قبضة من حصى الوادي. فناوله كفا من حصى عليه تراب فرمى به في وجوه القوم وقال : شاهت الوجوه ، فلم يبق مشرك إلّا دخل في عينه وفمه ومنخريه منه شيء وتبعهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم وكانت تلك الرمية سبب هزيمة القوم ، ولما أن اصطف القوم برز عتبة وشيبة والوليد للقتال وطلبوا المبارز فخرج إليهم بعض المسلمين فلم يرضوا بهم لما جرت العادة من عدم احتشام القرن إلّا بقرنه حتى برز إليهم عليّ عليه‌السلام وحمزة وعبيدة ، ودارت المعركة بنصرة هؤلاء ، وقتل أولئك ، وهنا حمي الوطيس واستعرت الحرب ولم تنكشف إلّا بهزيمة الكفار وقتل جماعة كبيرة منهم ، وأخذ المسلمون يأسرونهم والملائكة تعينهم في الأسر كما أعانتهم في القتل. فكان المسلم يشير بسيفه أو رمحه ولما يصل إلى الكافر فإذا به يخر قتيلا تقتله الملائكة ، وكذلك الأسر. حتى أن العباس أسره أبو اليسر وكان العباس جسيما وأبو اليسر نحيفا ، فقال له الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كيف أسرت العباس يا أبا اليسر؟ فقال : يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده. فقال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لقد أعانك عليه ملك كريم (1). وكل هذه كانت للبشرى وإنما النصر كان من عند الله. (وَ) قد فعل الله سبحانه ما فعل (لِيُبْلِيَ) أي لينعم على (الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ) أي من عنده سبحانه (بَلاءً حَسَناً) أي نعمة جسيمة ، __________________ (1) بحار الأنوار : ج 19 ص 227. إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18) إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ ____________________________________ فـ «الواو» على هذا استئنافية متعلقة بفعل مقدّر ، كما قدّرناه ، أو المراد : ليمتحن المؤمنين امتحانا حسنا ، فإن البلاء يأتي بمعنى النعمة كما يأتي بمعنى الاختبار ، وإنما يقال للنعمة : بلاء ، لأن أصل البلاء ما يظهر به الأمر من الشكر والصبر ، فالنعمة بلاء لأنها تظهر الشكر ، والمصيبة بلاء لأنها تظهر الصبر (إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ) لأقوالكم (عَلِيمٌ) بضمائركم ونياتكم. وفي الحرب تظهر أقوال ، وتجول في الصدر نيات ، فمن الأحرى أن يحفظ الإنسان قلبه ولسانه لئلّا ينحرفان عن نهج الصواب بمحضر من يسمع ويعلم كل شيء.