۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة الأعراف، آية ٢٣

التفسير يعرض الآية ٢٣

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٢٣

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

(قالا) أي قال آدم وحواء عليهما‌السلام : (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا) بارتكاب (1) البقرة : 36. (2) القصص : 17. المنهي عنه وأكل الشجرة (وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا) أي تستر علينا ، وهو كناية عن العفو عما صدر (وَتَرْحَمْنا) أي تتفضل علينا برحمتك (لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) الذين خسروا بعض درجاتهم. وحيث تقرر عقلا ونقلا أن الأنبياء معصومون ، كان اللازم القول بعدم كون أكل الشجرة معصية إطلاقا ، وإنما كان النهي للإرشاد ، كما يقول الطبيب للمريض : «لا تشرب هذا المائع فيطول مرضك» ، فإنه نهي للإرشاد ، ويكون ارتكابه موجبا لطول المرض فقط ، وليس هذا مما يوجب العقاب. وكذلك كان النهي بالنسبة إلى أكل الشجرة ، لأنه كان لإرشادهما إلى البقاء في الجنة أبدا ، كما قال سبحانه : (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى) (1) ، وكان الأكل موجبا للخروج من الجنة ، ولقاء مشاكل الدنيا ، والظلم ـ كما تقدم ـ هو وضع الشيء في غير موضعه ويلائم ارتكاب المنهي إرشادا ، كما يلائم القبيح ، كما أن الغفران هو الستر ، وهو يلائم العصيان ويلائم ارتكاب المنهي الإرشادي ، والخسران يلائم عدم الربح المتوقع ، ولذا يقول التاجر : «خسرت» فيما إذا لم يربح المتوقع. ألا ترى أن المريض إذا ارتكب ما يسبب طول مرضه ، يقول للطبيب : «اشتبهت ، فتدارك الأمر ، وإلا خسرت صحتك في هذه المدة» ولم يكن ذلك عصيانا إطلاقا. ومن هنا اشتهر في تسمية هذا النوع من الخلاف ب «ترك الأولى» أي أن الأولى كان عدم الارتكاب ، وهنا سؤالان : (1) طه : 119 و 120. الأول : كيف يصدر مثل هذا الترك من الأنبياء ولهم المقام الرفيع؟ الثاني : إن هذا فتح لباب التأويل وارتكاب خلاف الظاهر ولا داعي له؟ والجواب عن الأول : أن ذلك لئلّا يعتقد البشر ألوهية الأنبياء ، فإن من عادة البشر الغلو بالنسبة إلى القديسين ، وذلك ضد الغلو ، وإن غالى بعض الضعاف أيضا. والجواب عن الثاني : إن فتح هذا الباب مما لا بد منه ، فإن الكلام مشتمل على المجاز والكناية وما أشبه ـ حتّى بالنسبة إلى كلام البشر العادي ، فكيف بالبلغاء ـ وإلّا لزم القول بالتجسيم لقوله سبحانه : (إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) (1) ، والظلم لقوله : (مَنْ يُضْلِلِ اللهُ) (2) ، والكذب لقوله : (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ) (3) ، إلى غير ذلك. وقد جرت قوانين البلاغة على أن يصرف الكلام إلى المراد منه ، وإن كان خلاف الظاهر اللفظي ، إذا دل دليل من العقل والنقل على المراد ، أما إذا لم يكن هناك دليل ، أخذ بظاهر الألفاظ.