۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة الأعراف، آية ٢٤

التفسير يعرض الآية ٢٤

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

قَالَ ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٢٤

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

(قالا) أي قال آدم وحواء عليهما‌السلام : (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا) بارتكاب __________________ (1) البقرة : 36. (2) القصص : 17. وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (23) ____________________________________ المنهي عنه وأكل الشجرة (وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا) أي تستر علينا ، وهو كناية عن العفو عما صدر (وَتَرْحَمْنا) أي تتفضل علينا برحمتك (لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) الذين خسروا بعض درجاتهم. وحيث تقرر عقلا ونقلا أن الأنبياء معصومون ، كان اللازم القول بعدم كون أكل الشجرة معصية إطلاقا ، وإنما كان النهي للإرشاد ، كما يقول الطبيب للمريض : «لا تشرب هذا المائع فيطول مرضك» ، فإنه نهي للإرشاد ، ويكون ارتكابه موجبا لطول المرض فقط ، وليس هذا مما يوجب العقاب. وكذلك كان النهي بالنسبة إلى أكل الشجرة ، لأنه كان لإرشادهما إلى البقاء في الجنة أبدا ، كما قال سبحانه : (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى) (1) ، وكان الأكل موجبا للخروج من الجنة ، ولقاء مشاكل الدنيا ، والظلم ـ كما تقدم ـ هو وضع الشيء في غير موضعه ويلائم ارتكاب المنهي إرشادا ، كما يلائم القبيح ، كما أن الغفران هو الستر ، وهو يلائم العصيان ويلائم ارتكاب المنهي الإرشادي ، والخسران يلائم عدم الربح المتوقع ، ولذا يقول التاجر : «خسرت» فيما إذا لم يربح المتوقع. ألا ترى أن المريض إذا ارتكب ما يسبب طول مرضه ، يقول للطبيب : «اشتبهت ، فتدارك الأمر ، وإلا خسرت صحتك في هذه المدة» ولم يكن ذلك عصيانا إطلاقا. ومن هنا اشتهر في تسمية هذا النوع من الخلاف ب «ترك الأولى» أي أن الأولى كان عدم الارتكاب ، وهنا سؤالان : __________________ (1) طه : 119 و 120. قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ ____________________________________ الأول : كيف يصدر مثل هذا الترك من الأنبياء ولهم المقام الرفيع؟ الثاني : إن هذا فتح لباب التأويل وارتكاب خلاف الظاهر ولا داعي له؟ والجواب عن الأول : أن ذلك لئلّا يعتقد البشر ألوهية الأنبياء ، فإن من عادة البشر الغلو بالنسبة إلى القديسين ، وذلك ضد الغلو ، وإن غالى بعض الضعاف أيضا. والجواب عن الثاني : إن فتح هذا الباب مما لا بد منه ، فإن الكلام مشتمل على المجاز والكناية وما أشبه ـ حتّى بالنسبة إلى كلام البشر العادي ، فكيف بالبلغاء ـ وإلّا لزم القول بالتجسيم لقوله سبحانه : (إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) (1) ، والظلم لقوله : (مَنْ يُضْلِلِ اللهُ) (2) ، والكذب لقوله : (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ) (3) ، إلى غير ذلك. وقد جرت قوانين البلاغة على أن يصرف الكلام إلى المراد منه ، وإن كان خلاف الظاهر اللفظي ، إذا دل دليل من العقل والنقل على المراد ، أما إذا لم يكن هناك دليل ، أخذ بظاهر الألفاظ.