(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَ) أي أن الذين تكتب لهم الرحمة الكاملة هم التابعون لمحمد صلىاللهعليهوآلهوسلم (الْأُمِّيَ) نسبة إلى أم القرى «مكة» وبمعنى الذي لم يتعلم عند معلم ـ وإن كان صلىاللهعليهوآلهوسلم يعلم كل شيء بوحي الله وإرادته ـ والعرب تسمي من لم يتعلم ب «الأمي» ، نسبة إلى الأم ، كأنه بقي مثل ما ولدته أمه (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ) فإن الكتابين بشّرا به صلىاللهعليهوآلهوسلم وأخبرا بنعته ، وإنما حرّفهما ـ بعد ذلك ـ اليهود والنصارى. وللشيخ محمد صادق فخر الإسلام ، في كتابه «أنيس الأعلام» قصة طويلة حول هذا الموضوع ، ولم يكن هذا بدعا ، فقد كان كل نبي سابق يبشر بالنبي اللاحق ، كما أن كل نبي لا حق يصدّق النبي السابق ، ونحن اليوم نرى صفة الإمام المهدي عليهالسلام في كتبنا ، حيث وعدنا بظهوره «عجل الله فرجه». ثم بيّن سبحانه سائر صفاته التي تجعل من دينه دين الفضيلة يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ____________________________________ والحرية الصحيحة والسعادة (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) فما يأمرهم به يكون معروفا يقبله عرف العقلاء ويرتضيه (وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ) فما ينهاهم عنه يكون منكرا عند عرف العقلاء ، فأمره ونهيه حسب الموازين العرفية العقلية ، لا اعتباطا واشتهاء (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ) المستلذات الحسنة ، من مأكل ومشرب ومنكح ومسكن ومركب وغيرها (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ) القبائح التي تعافها النفوس المستقيمة ، فتحليله وتحريمه ليسا اعتباطين ، بل لشيء في ذات الحلال والحرام ، بخلاف تحليل سائر الناس وتحريمهم ، فإنهم قد يحرمون الطيب ، كما حرمت الجاهلية السائبة وما إليها ، وقد يحللون الخبيث كما أن اليهودية والنصرانية ومن إليهما يحللون الخمر ولحم الخنزير. ثم لا يخفى أن الأمر والنهي أعم من التحليل والتحريم ، لكن حيث تقابلا ، كان لكل منهما مصداق غير مصداق الآخر. (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ) أي ثقلهم ، فإن الإصر هو الحمل الثقيل ومعنى «وضعه» أن مناهجه سهلة سمحة لا ثقل فيها ولا صعوبة (وَ) يضع عنهم (الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ) أغلال جمع «غلّ» ، وهو ما يقيد يد الإنسان أو رجله أو غيرهما ، فإن من خواص الإسلام أنه يطلق الحريات المعقولة ، فالسفر والإقامة والتجارة والزراعة والصناعة والبيع والشراء والكلام والكتابة والتجمع وغيرها ، كلها مباحة لا قيود عليها إلا بعض الشرائط الطفيفة التي هي في صالح المجتمع والفرد ، ولا فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (158) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ____________________________________ يعلم مدى ذلك إلا بالمقايسة إلى الأنظمة والمناهج الدنيوية التي كلها كبت واستعباد واستغلال (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ) أي بالرسول محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم (وَعَزَّرُوهُ) أي عظّموه ووقروه (وَنَصَرُوهُ) على أعدائه (وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ) أي القرآن ، فإنه نور يهتدى به في مسالك الحياة المظلمة ، كما أن الضياء يهتدى به في مسالك الليل المظلم ، أو المراد : علي والأئمة عليهمالسلام كما في بعض الأحاديث ، أو الجميع ، لأنه لفظ عام ، وكل واحد من هذه الأمور مصداق ، و «الإنزال» بالنسبة إلى الأئمة ليس فيه محذور ، لما سبق ، أن التعبير بالإنزال في مثل هذه الموارد من جهة الله سبحانه الواهب لهذه الأشياء كما قال : (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ) (1) ، وكما قيل في قوله سبحانه : (اهْبِطُوا) (2) ، (أُولئِكَ) الذين آمنوا بهذا النبي (هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الفائزون بخير الدنيا والآخرة.