(وَاكْتُبْ لَنا) يا رب (فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً) الشيء الحسن ، وهو جنس شامل لأنواع الحسنات من أمن وصحة ورفاه وفضيلة وغيرها (وَفِي الْآخِرَةِ) حسنة ، بالجنة والرضوان (إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ) من «هاد» بمعنى «رجع» أي رجعنا بتوبتنا إليك ، فكأن العاصي يبتعد عنه سبحانه ، ثم إذا تاب يرجع إليه ، تشبيها للبعد والقرب عن الرحمة ، بالقرب والبعد الحسّيّين. وموسى عليهالسلام وإن لم يكن داخلا في العصيان لكن العادة جرت على أن يتكلم الرؤساء عن جماعتهم (قالَ) الله سبحانه في جواب موسى وطلبه التوبة : (عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ) ممن استحق ذلك بالكفر والمعصية ، فالمشيئة ليست باعتبار الزيادة عمّن استحق ، بل باعتبار النقصان ، فإنه تعالى لا يعذب بعض المستحقين ، لا أنه يعذب المستحقين (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) فإن الخلق والرزق وغيرهما كلها رحمة منه سبحانه ، وفي الدعاء : «يا من سبقت رحمته غضبه» (1) ، باعتبار أن الغضب لا يكون إلا بعد الخلق والرزق والعصيان ، فالرحمة سابقة. وفي هذا الجو الرقيق ، الذي ترقّقت فيه قلوب بني إسرائيل يشير سبحانه إلى النبي الأمي ، ليتركّز في قلوبهم ، فإن الأمور تتركز في __________________ (1) مصباح الكفعمي : ص 667. فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (157) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ ____________________________________ القلوب أكثر إذا رقّت (فَسَأَكْتُبُها) أي اكتب رحمتي. وهذا على سبيل الاستخدام ، فإن المراد بالرحمة أولا جميع أقسام الرحمة ، والمراد بها من الضمير ثانيا : الرحمة الخاصة الزائدة (لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) الكفر والمعاصي (وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ) أي يعطونها (وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا) أي بحججنا ودلالاتنا (يُؤْمِنُونَ). ثم بيّن أولئك بقوله :