۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة الأعراف، آية ١٤٤

التفسير يعرض الآية ١٤٤

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّي ٱصۡطَفَيۡتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِي وَبِكَلَٰمِي فَخُذۡ مَآ ءَاتَيۡتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

(وَلَمَّا جاءَ مُوسى) عليه‌السلام (لِمِيقاتِنا) «الميقات» هو الزمان أو المكان الذي قدّر ليعمل فيه ، ولذا يقال : «ميقات الحج» للمكان المقدّر فيه الإحرام ، والمعنى : أنه لمّا انتهى موسى إلى المكان الذي وقّتنا له وأمرناه بالمسير إليه لننزل عليه التوراة ، أو المراد الميقات الزماني ، أي لمّا انتهى إلى زمان المواعدة (وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) بأن خلق الكلام في الفضاء حتى سمعه موسى عليه‌السلام ، فإن الله سبحانه منزّه عن اللسان واللهاة وسائر الأمور المرتبطة بالكلام الجسدي. (قالَ) موسى : يا (رَبِّ أَرِنِي) نفسك (أَنْظُرْ إِلَيْكَ) نظر قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ____________________________________ العيان. وقد كان هذا السؤال من موسى إجابة لطلب قومه ، فقد روي أنه لما كلّمه الله وقرّبه نجيّا رجع إلى قومه فأخبرهم بذلك ، فقالوا : لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعته ، فاختار منهم سبعين فخرج بهم إلى طور سيناء فأقامهم في سفح الجبل وصعد إلى الطور وسأل الله أن يكلمه ويسمعهم كلامه ، فكلمه الله فسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام ، لأن الله أحدثه في الشجرة ثم جعله منبعثا منها حتى سمعوه من جميع الوجوه ، فقالوا : لن نؤمن بأن هذا الذي سمعناه من جميع الوجوه كلام الله حتى نرى الله جهرة ، فلما قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا بعث الله عليهم صاعقة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم فماتوا. فقال موسى : يا رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا إنك ذهبت بهم فقتلتهم لأنك لم تكن صادقا فيما ادعيت من مناجاة الله إياك؟ فأحياهم وبعثهم معه فقالوا : لو أنك سألت الله أن يريك تنظر إليه لأجابك فتخبرنا كيف هو ونعرفه حق معرفته ، فقال : يا قوم إن الله لا يرى بالأبصار ولا كيفية له وإنما يعرف بآياته ويعلم بعلاماته ، فقالوا : لن نؤمن لك حتى تسأله ، فقال موسى : يا رب إنك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم ، فأوحى الله إليه : يا موسى سلني ما سألوك فلن أؤاخذك بجهلهم فعند ذلك قال موسى : رب أرني انظر إليك (قالَ) الله تعالى في جواب موسى : (لَنْ تَرانِي) أبدا ، فإن «لن» لنفي الأبد ، وذلك لاستحالة رؤية الله سبحانه لا في الدنيا ولا في الآخرة ، فإن للرؤية شرائط كلها مفقودة بالنسبة إليه سبحانه ، ومنها أن يكون المرئي جسما أو عرضا ، والله سبحانه ليس بجسم ولا عرض (وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ) فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ ____________________________________ الذي كان هناك (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ) حال التجلّي (فَسَوْفَ تَرانِي) وقد كان هذا من باب التعليق بالمحال ، فإن استقرار الجبل مكانه مع إرادة الله عدم الاستقرار له كان مستحيلا. فيكون التعليق على ذلك مثل قوله : (حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ) (1) ، وقوله : (إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ) (2) ، (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا) (3) ، مما جرى العرف بالتعليق على شيء لا يكون ، في بيان أن الشيء الفلاني لا يكون (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ) أي رب موسى عليه‌السلام (لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا) أي مستويا مع الأرض ، والمراد بالتجلي : خلق نور يشع على الجبل ، أو إظهار قدرة وعظمة له (وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً) أي وقع مغشيا عليه من الرعب والخوف (فَلَمَّا أَفاقَ) من غشيته ورجعت قواه إليه (قالَ) موسى عليه‌السلام : (سُبْحانَكَ) أي أنزهك تنزيها عما لا يليق بك من رؤية وغيرها من النواقص (تُبْتُ إِلَيْكَ) أي رجعت إليك في أموري ، ولم يكن ذلك توبة عن ذنب بل إنه على وجه الانقطاع والتخضّع ، فإن الإنسان إذا رأى الأمور الجليلة يذكر الله بالتسبيح والتقديس والاستغفار ، والسر أن هذه الألفاظ صارت إعلاما للخضوع والخشوع ، لكثرة ما استعملت فيهما. ومنه الحديث : «كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستغفر الله من غير ذنب» (4) وإن شئت قلت : إنه إنشاء مفهوم التوبة __________________ (1) الأعراف : 41. (2) الزخرف : 82. (3) الأنبياء : 23. (4) راجع وسائل الشيعة : ج 7 ص 180. وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ ____________________________________ بداعي التعظيم ، كما أن أدوات الاستفهام في كلامه سبحانه هي لإنشاء مفهوم الاستفهام بداعي آخر ، كالمفاضلة في قوله : (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (1) ، (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) بك وبما يليق بك من الصفات.