وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ وهو مَن فَقَدَ الأب والجد، أو الأعم منه ومَن فَقَدَ الأم، وكلمة (لا تقربوا) للمبالغة في الإجتناب، وتخصيص اليتيم بالذَكر مع عدم جواز التصرّف في مال كل أحد بدون رِضاه لأجل أنّ اليتيم لا يقدر على الدفاع عن نفسه إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، أي بالطريقة التي أحسن من سائر الطرق بأن يحفظ له ماله إلا بمقدار ضروري مُعاش اليتيم حيث يُصرف عنه حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ الأشُد جمع شد نحو أضر جمع ضر، والشد القوة وهو إستحكام قوة الشباب، أي حتى يبلغ إلى قوى شبابه، وهو إنما يحصل بالبلوغ والرُشد، والبلوغ في الولد كمال خمس عشرة سنة، أو الإنبات، أو الإحتلام، وفي البنت -غالباً- كمال التسعة والدخول في العاشرة وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ فلا تنقِصوا الكيل والميزان عند البيع، ولا تزيد وهما عند الشراء بِالْقِسْطِ، أي بالعدل، فلا إفراط ولا تفريط لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا، أي بالمقدار الذي يَسَعها ولا يوجب ضيقاً وحَرَجاً عليها، فهذه التكاليف السابقة، لا حَرَجَ فيها على النفس، أو المراد أنّ الوفاء بالكيل والوزن حسب المتعارف، لا الدقة العقلية حتى يوجب عُسراً وحَرَجاً، ولا يُقال: فكيف كلّف الإنسان بالجهاد؟ لأنّا نقول: الجهاد خارج عن هذا العموم فإنه لإرساء قواعد الإسلام، والعموم إنما هو في مقابل التكاليف في سائر الشرائع -المنحرفة- والقوانين المرهِقة فإنه يريد بيان سهولة أحكام الإسلام وسماحها وَإِذَا قُلْتُمْ شيئاً فَاعْدِلُواْ في القول، والعدل فيه أن لا يميل نحو الباطل، فالغيبة والسبّ والقضاء بغير الحق وما أشبهها ظلم ليس بعدل وَلَوْ كَانَ المقول فيه ذَا قُرْبَى فإنّ الناس غالباً يقولون الباطل لربح ذوي قرباهم، ولذا يأمرهم سبحانه بالعدل بالنسبة إليهم وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ والمراد جميع معاهداته، كما قال: (أوفوا بعهدي أوفِ بعهدكم) فالمراد الإتيان بالواجبات وترك المحرّمات ذَلِكُمْ الذي تقدّم ذِكره من الأحكام وَصَّاكُم بِهِ على طريق اللزوم والحتم لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، أي لكي تتذكّروا وتأخذوا به، والتذكّر باعتبار ما هو كامن في الفطرة من حُسن هذه الأشياء -كما سبق-.