وبعد إستنكار ما حرّمه المشركون على أنفسهم، واستنكار إستحلالهم لبعض المحرّمات يأتي السياق لبيان المحرّمات الواقعية التي حرّمها الله سبحانه قُلْ يارسول الله لهؤلاء المشركين تَعَالَوْاْ، أي أقبِلوا واحضروا أَتْلُ، أي إقرأ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ (ما) مفعول (أتلُ) أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ، أي بالله شَيْئًا، أي لا تجعلوا له سبحانه شريكاً، والجملة في تأويل المصدر، فيكون بدلاً من (ما حرّم)، أي: إتلُ تحريم الشِرك، فلا يُقال: إنّ النفي في النفي يفيد الإثبات وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، أي أوصاكم بهما إحسانا، إذ في (حرّم) معنى الإيصاء، وإحساناً منصوب بفعل مقدّر تقديره: أحسِنوا بالوالدين إحسانا، ومن المعلوم أنّ ترك كل واجب حرام، ولذا صحّ تعداده في جملة (ما حرّم) وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم بنين وبنات مِّنْ إمْلاَقٍ هو الفقر، أي: من جهة الفقر، فقد كان المشركون يقتلون أولادهم خوف أن يفتقروا فلا يجدوا مؤونتهم نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ أنتم الآباء وَإِيَّاهُمْ، أي الأبناء، فليس رزقهم عليكم، ثم إنّ من المعلوم أنّ الرزق يحتاج إلى جد وتعب فليس المراد برزقه إيّاهم أنه يُنزله من السماء في الدلو وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ جمع فاحشة، صفة للمقدّر أي الصفة الفاحشة مَا ظَهَرَ مِنْهَا للناس وَمَا بَطَنَ، أي أتى به سراً، وهذا يشمل جميع المحرّمات غير المذكورة بالنص وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ من المسلم والمعاهِد إِلاَّ بِالْحَقِّ وقد تقدّم أنّ مثل هذه الإستثناءات من أصل الكلام لا من قيده، أي لا تقتلوا النفس إلا بالحق، والحق في القتل في موارد خاصة كالجهاد والزاني المُحصَن والمرتد الفطري والمهاجِم والقصاص ومَن أشبه ذَلِكُمْ المذكور في الآية من المحرّمات وَصَّاكُمْ الله بِهِ، أي أمَرَكم، فإنّ الوصية بمعنى الأمر لَعَلَّكُمْ أيها البشر تَعْقِلُونَ، أي تحكّمون عقولكم في المحرّم والمحلّل فلا تقولوا شيئاً إعتباطاً.