ثم بعدما بيّن مضرّة النفاق توجّه السياق إلى المؤمنين مبيّناً لهم أنهم إن إرتدّوا فلا يظنوا أنّ ذلك يضر دين الله سبحانه فقد وكّل الله بدينه -في كل دور- أناساً يقومون بشرائط الإيمان، فالمرتد إنما يضر نفسه لا أنه يضر دين الله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ إرتداداً إلى الكفر أو إلى النفاق، فإنّ إنقلاب الباطن عن الإسلام هو نوع من الإرتداد أيضاً فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ فهو ذو صلة بهم وهم ذووا صلة به سبحانه، ولعلّ الإتيان بكلمة (سوف) لئلا يظنون أنّ في تأخير الأمر إنقطاعاً وإنفصاماً للإيمان، بل قد يتأخر مجيء الصلحاء بعد إرتداد قسم من الناس عن الإيمان أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أذلّة من الذِل بكسر الذال ضد الصعوبة، وقد يكون من الذُل بضم الذال ضد العزّة أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ، أي يكونون ليّنين على المؤمنين غلاظ شداد على الكافرين، وإنما كان ذلك مدحاً لأنّ اللين مع الكافر موجب لبقاء الكفر، بخلاف إظهار الشدة الذي يوجب جمع الكفر على نفسه وإنكماشه وعدم تعدّيه إلى المؤمنين الضعاف كما قال سبحانه في آية أخرى (أشداء على الكفار رُحماء بينهم) يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لإعلاء كلمته وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ فإنّ الجهاد يلازم لوم اللائمين من المؤمنين ومن الكافرين، أما الثاني فواضح وأما الأول فلأنّ الآراء غالباً تختلف وذلك بسبب لوم بعضهم لبعض كما هو المشاهد المحسوس، وكثير من الناس يمنعهم عن الجهاد والإقدام لوم اللائمين لا صعوبة الجهاد، وقد نزلت هذه الآية في علي أمير المؤمنين (عليه السلام) وأصحابه الأكرمين وإن كانت عامة وإن كانت عامة بحسب اللفظ كما هو شأن آيات القرآن غالباً، ولعلّ وجه قوله (يأتي) مع أنّ الإمام (عليه السلام) كان حاضراً وقت النزول إعتبار الوصف، أي قوله (يجاهدون)، تقول : سوف آتي بشخص يفعل كذا، تريدان الفعل (سوف) لا أنّ الشخص (سوف) ذَلِكَ المذكور في أوصاف القوم من محبة الله لهم ومحبتهم لله ولينهم للمؤمنين وصعوبتهم على الكافرين وجهادهم بدون خوف اللوم فَضْلُ اللّهِ حيث تفضّل عليهم بهذه الصفات وهداهم إلى الحق يُؤْتِيهِ ، أي يُعطي هذا الفضل مَن يَشَاء ممن كان قابلاً وأهلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ فضله فلا يخاف نفاده إن أعطى أحداً عَلِيمٌ بموضع فضله وجوده .