ولما حكى سبحانه قصة إبني آدم وأظهر بشاعة الجريمة ذكر جملة من الحدود على الجرائم وإبتدء بالقتل للتناسب فقال تعالى مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أجل في اللغة بمعنى الجناية، يُقال : أجَلَ عليهم شراً أي جنى، أي من إبتداء تلك الجناية فـ (من) إبتدائية وذلك إشارة إلى قتل قابيل هابيل، أي من وقت تلك الجناية قررنا الحكم الآتي وهو : إنّ (مَن قَتَلَ نفساً) الآية، وبعض المفسرين يفسر (أجَل) بالمعنى المتعارف فالمعنى : من أجل الإعتداء الذي لا موجب له ولا مبرر على المسلمين الوارعين الذين لا يريدون شراً ولا مدافعة كَتَبْنَا ، أي فرضنا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وليس الحكم خاصاً بهم وإنما أتى بذكرهم لأنهم مورد البحث والكلام وأنهم الذين عاكسوا أحكام الله وقتلوا أنبيائه أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا ، أي إنساناً قتلاً ظلماً بِغَيْرِ نَفْسٍ ، أي لا بمقابل نفص حتى يخرج قتل القاتل فرداً من الموضوع للحكم أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ، أي لم يكن المقتول مُفسِداً حتى يستحق بذلك أن يُقتل فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا إنه باعتدائه على حياة بلا مبرر كان كمن إعتدى على الحياة كلها وَمَنْ أَحْيَاهَا لا إحياءاً من العدم بل إحياءاً بمعنى التحفظ على حياتها وإنجائها من الهلاك فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا حيث إنّ تحفّظه على حياة يكون كتحفّظ على الحياة كلها إنّ الحياة كلّ سارٍ في كلّ حي، فالتعدّي على فرد تعدّي على الكل كما إنّ التحفظ على فرد تحفّظ على الكل وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ، أي أتت إلى بني إسرائيل -الذين يدور الكلام حولهم- رُسُلُنَا أنبيائهم بِالبَيِّنَاتِ ، أي الأدلة الواضحة الدالة على صدق نبوّتهم ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم ، أي من بني إسرائيل بَعْدَ ذَلِكَ ، أي بعد مجيء الرُسُل إليهم فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ، اي يجاوزون الحد فقد كانوا يستحلّون المحارم ويسفكون الدماء .