وفي سياق المحرّمات المرتبطة بالحج -غالباً- ذكر سبحانه قسماً آخر من المحرّمات وهو ما استثناه سبحانه في الآية السابقة بقوله (إلا ما يُتلى عليكم) فقال حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ أيها المسلمون الْمَيْتَةُ وهي التي لم تمُت حسب الدستور الشرعي وذلك مختلف، ففي الأنعام مثلاً تحتاج الذكاة إلى فري الأوداج وسائر الشرائط، وفي الصيد رميه وفي السمك موته خارج الماء وهكذا، والمراد بالتحريم أكلها فإنّ التحريم المضاف إلى الإيمان يُراد منه بحسب الأمر المتوقع منه فتحريم الحرير يُراد به لبسه، وتحريم الأم يُراد به إقترابها وتحريم السكن يُراد به سكناه وَالْدَّمُ وهو ما بيّنه سبحانه في آية أخرى بقوله (ما مسفوحاً) أما المقدار الملطّخ به اللحم فلا حُرمة فيه وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وخصّص بالذكر مع كثرة تحريم اللحوم لاعتياد الناس أكله وظنهم طيبه، ثم لا يخفى أنّ المحرّمات تنقسم إلى قسمين : قسم لما فيه من الأضرار وما يذكره بعض الناس -حالاً- من العلم الحديث من التخلّص عن أضرار لحم الخنزير بتعقيم، فليس بمحرّم إذا أًعقم، فالجواب عنه أيّ دليل لعدم وجود أضرار أُخر فيه بعد التعقيم لم يكشف عنه العلم إلى الآن كما لم يهتد العلم طيلة أربعة عشر قرناً لهذا الضرر الذي إكتُشف الآن، وقسم حُرّم لجهة معنوية كالذي لم يُسمّ عليه إسم الله سبحانه وهذا لا يتوقف تحريمه على الضرر الجسدي بل يحرم لانحرافه عن الميزان المستقيم وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ الإهلال بالشيء الإبتداء به، أي الذبيحة التي ذُكر إسم غير الله عليها عند الذبح -كما تقدّم في سورة البقرة- وَالْمُنْخَنِقَةُ وهي ما خُنقت بأيّ نحو كان وَالْمَوْقُوذَةُ الوقذ هو الضرب، أي التي ضُربت حتى ماتت وَالْمُتَرَدِّيَةُ التردّي الوقوع من مكان عال والمراد بها التي وقعت من مكان عال فماتت، وقد كان أهل الجاهلية يقتلون الحيوان بهذه الكيفيات وَالنَّطِيحَةُ وهي التي ينطحها غيرها فتموت وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ وفي فريسة السبع التي أكل الحيوان المفترس بعضها وأبقى بعضاً فإنه يحرم أكل الباقي إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ التذكية هي التتميم والمراد بها هنا تحليل الحيوان بإجراء الآداب الشرعية عليه من كون الذابح مسلماً والتوجّه إلى القبلة بالذبيحة والمزكّات بالحديد وذكر الله حالة الذبح وفري الأوداج الأربعة، والمراد الإستثناء من (ما أكل السبع) وإن كان الحُكم عاماً، أي أنه لو أدركتم ذكاة ما أكله السبع فذكّيتموه غهو حلال وإدراكها ما عن الباقرين (عليهما السلام) حيث قالا : "أنّ أدنى ما يُدرك به الذكاة أن تدركه يتحرّك أذنه أو ذنبه أو تطرف عينه" وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ جمع نصاب وهي الحجارة التي كانوا يعبدونها، أي التي تُذبح باسم الأوثان تقرّباً إليها وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ الإستقسام طلب القسمة والأزلام جمع زلم وهو القدح، أي السهام فقد كان أهل الجاهلية يشترون جزوراً ثم يكتبون على سهام عشرة أسماء خاصة فلسهم حصة واحدة ولسهم حصتان وهكذا إلى سبعة حصص ويتركون ثلاثة أسهم لا حصة لها ثم يجتمعون عشرة أشخاص فيخرج سهم بإسم شخص ويُعطى بمقدار حصة السهم لذلك الشخص وهكذا -بعد ما كانوا يقسمون الجزور ثمانية وعشرين قسماً فقد كان على من يخرج بإسم السهام التي لا حصة لها وهذا نوع من القمار فحرّمه الإسلام ذَلِكُمْ ، أي الإستقسام بالأزلام أو جميع ما سبق من المحرّمات إيتانها فِسْقٌ والفسق هو الخروج عن الطاعة وارتكاب المعصية الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ قال في مجمع البيان : ليس يريد يوماً بعينه بل معناه الآن يئس الكافرون من دينكم، وروى القمي أنه يوم نصب الإمام (عليه السلام) وهذا هو الأوفق بما تواترت به النصوص وذكره المفسّرون من شأن نزول آية الإكمال فقد كان الكفار يترقبون أن يترك الرسول الأمر سدى حتى إذا قُبض ولم يُقِم له خَلَف إنقضّوا على الإسلام يهدمونه فلما نصب الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الإمام يئسوا من ذلك حيث كانوا يعلمون كفاية الإمام وقدرته العظيمة ولذا لمّا مات الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلمت الكفار والمنافقين باغتصاب الخلافة إنقضّوا على الإسلام يريدون إقتلاع جذوره وقد عَلِمَ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذلك حين وصّى الإمام بالصبر وإلا قامت حروب داخلية وخارجية ذهبت بالإسلام، وهنا يتسائل البعض : فكيف أنّ الإمام لما نهض بالأمر نكثت طائفة ومرقت أخرى وقسط آخرون .. ؟ والجواب : أنّ الظروف التي تقدّمت على نهضة الإمام غيّرت معالم الإسلام ولذا إحتاج الإمام إلى إرساء قواعد الدين من جديد، وذلك مما يوجب إضطراباً وإختلافاً شأن الأنبياء حين يدعون أممهم إلى الخير لكن الخطر الخارجي كان حين ذاك بعيداً حيث أنّ الكفار إنكمشوا والإسلام -ولو الصوري منه- قد قَوِيَ والحروب الداخلية لم تكن تؤثّر شيئاً بالنسبة إلى إنعكاس الإسلام والكفر لتميل الكفة الثانية على حساب خفة الكفة الأولى فَلاَ تَخْشَوْهُمْ أن يظهروا على دين الإسلام كما كنتم تخشونهم من قبل وَاخْشَوْنِ في أن ترتكبوا العصيان وتخالفوا أمر الله والرسل الْيَوْمَ ، أي الغدير أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ بنصب علي خليفة من بعد الرسول وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي فإنّ نعمة الإسلام دون نعمة الإيمان بالولاية ناقصة وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فإنّ الإسلام ذو درجات واليوم رُقّيتم الدرجة القصوى فرَضِيَ عن المسلمين الحالة التي وصلوا إليها والرضا هنا ليس في مقابل السخط بل في مقابل النقص الأثري أنّ من يريد بناء دار إذا بلغ منتصفها يقول : لم أرضَ بعد ، يريد لم يكمل رضاي وإنما يقول رضيتُ الآن إذا أتمّ الدار، وقد كان ذلك نصب الرسول الإمام أمير المؤمنين خليفته الرسمية بعد منصرفه من حجة الوداع بمحضر مائة وعشرين ألف من الأصحاب من الرجال والنساء فصعد المنبر وخطب خطبة طويلة ثم قال : "من كنتُ مولاه فهذا علي مولاه اللهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله - وهو آخذ بكف علي-" ونزل عن المنبر وأمر المسلمين أن يسلّموا عليه بإمرة المؤمنين وبقوا هناك ثلاثة أيام حتى تمّت البيعة ثم قفلوا راجعين إلى المدينة فَمَنِ اضْطُرَّ إلى أكل المحرّمات المذكورة فِي مَخْمَصَةٍ وهي القحط يُسمّى بذلك لإيجابه خمص البطون جوعاً غَيْرَ مُتَجَانِفٍ ، أي في حال كون المضطر لم يمل لِّإِثْمٍ فإنّ الجنف بمعنى الميل فلا يفرط في الأكل كأن يكون محتاجاً إلى شرب نصف رطل من الخمر -مثلاً- فيشرب رطلاً وكذا بالنسبة إلى الميتة وسائر المحرّمات فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ يستر السيئة الذاتية بمعنى عدم العقاب عليها رَّحِيمٌ يرحم الناس فلا يجبرهم على الترك حتى عند أشد الضرورة .