۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة المائدة، آية ١٠١

التفسير يعرض الآية ١٠١

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ ١٠١

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

قلنا سابقاً قد جرت عادة القرآن الحكيم بعدم تطويل أمر واحد كي يملّ السامع فهو إذا أراد التطويل ذَكَرَ في الأثناء ما يلطّف الجو ويرفع الكلالة من السامع ببيان حُكم جديد منبّه، وهكذا أتت آية السؤال هنا في وسط الحرام والحلال بالإضافة إلى إرتباط الآية بالحج، حيث أنها وردت في باب السؤال عن الحج، فقد روي عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خطب فقال : "إنّ الله كَتَبَ عليكم الحج" ، فقام سُراقة بن مالك فقال : في كل عام يارسول الله ؟، فأعرَضَ عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثاً، فقال رسول الله : "ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم ولو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما استطعتم ولو تركتم لكفرتم فاتركوني وما تركتكم فإنما هَلَكَ مَن كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتُكُم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، فنزلت يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء متّصفة بأنها إِن تُبْدَ لَكُمْ ، أي تظهر لكم تَسُؤْكُمْ ، أي تسبّب سوءاً أو حزناً وصعوبة عليكم وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا ، أي عن تلك الأشياء حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ ، أي في فترة الوحي ووجود النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بين أظهُرِكم تُبْدَ لَكُمْ لأنّ الوحي يأتي إليه بالجواب فيكون موجباً للصعوبة عليكم بتشريع أحكام جديدة أنتم في غِنى عنها، وهنا سؤال أنه كيف يمكن عدم السؤال إن كان من الأمور المرتبطة بالدين ؟ وأنه هل أنّ أحكام الله إعتباطية حتى يشرّعها السؤال ؟ أليس كلّ حُكم تابع للمصلحة والمفسَدة، ويبيّن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذلك لإيصال الناس إلى مصالحهم ومفاسدهم ؟ وما خصوصية حين ينزل القرآن فإنّ الأئمة (عليهم السلام) أيضاً بتلك المثابة حيث أنهم يعلمون جميع الأحكام ؟، والجواب أنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد التي منها مصلحة التسهيل على المكلّفين، فكثيراً ما لا يشرّع حُكم -كعدم وجوب السواك- لمصلحة التسهيل، ومن المعلوم أنّ هذه المصلحة قد ترتفع إذا كان هناك لجاج وعناد وظلم، كما قال سبحانه (فبِظلمٍ من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيّبات أحلّت لهم) وبهذا ظَهَرَ الجواب عن السؤال الثاني، وأما السؤال الأول فإنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذا كان في مقام بيان جميع الأحكام وليست القضية شخصية كابتلاء بإرث لا يعلم تقسيمه أو زوجة لا يعرف حقها أو ولد عاص لا يدري كيف يعاشره أو أشباه ذلك، لم يكن وجه للسؤال لأنه تعنّت وإرهاق، وأما السؤال الثالث فلأن المصالح التشريعية قد كملت في زمن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتى إنه لا تشريع جديد بعده، ولذا فلم تكن الأئمة (عليهم السلام) بمثابة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في إمكان تشريع الحُكم وإن كان من الممكن التشريع لو حدث في زمن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) شيء، وهذه المصلحة -وهي إنسداد باب التشريع- حتى لا يكون لأحد ذلك بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإن كان مفوتاً لمصالح واقعية -مثلاً- لكنها أقوى في الإعتبار من مراعات مصالح لأحكام جديدة، ولعلّ الجواب عن الإشكال الثاني يُستفاد من حديث ورد عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قال : "إنّ الله إفترض عليكم فرائض فلا تضيّعوها وحدّ لكم حدوداً فلا تعتدوها ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها وسَكَتَ عن أشياء ولم يدعها نسياناً فلا تتكلّفوها" عَفَا اللّهُ عَنْهَا ، أي عن تلك الأشياء فلا تتكلّفوها إنه سبحانه رجّح مصلحة التسهيل عليكم على مصلحة تلك الأحكام فإن تسألوا عنها وعاندوا تُرفع تلك المصلحة التسهيلية فتبتلون بها وَاللّهُ غَفُورٌ يغفر ما سلف حَلِيمٌ يرحمكم أن يوقكم في عسر ومشقة .