۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة الأحقاف، آية ١٦

التفسير يعرض الآية ١٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمۡ فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ١٦

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

(وَ) كما أننا وصينا الإنسان بعدم الشرك وعبادة الله الذي هو منعم حقيقي عليه كذلك (وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ) اللذان هما سبب وجوده فكل واحد منهما منعم مجازي على الإنسان ، والوصية قول مؤكّد سواء كان في الحياة أو بعد الممات (إِحْساناً) أي أن يعمل الحسن ، وقوله سبحانه «إحسانا» من باب المبالغة مثل «زيد عدل» حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ ____________________________________ فيقدم لهما قطعة من الحسن ، أي أحسن الأعمال ، حتى كأن العمل ذات الحسن واللازم أن يخص الأم بزيادة الإحسان لزيادة أتعابها في سبيله (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً) كارهة الحمل لمشقته في أغلب أوقات الحمل ، بل وكثيرا ما في أوله أيضا حيث الاضطرابات التي تطرأ على المرأة عند الحمل ، وحيث الحزن النفسي من أتعاب الحمل والطلق وغير ذلك (وَوَضَعَتْهُ) حين الولادة (كُرْهاً) لمشقات الولادة فهي كارهة (وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) فإن الحمل ستة أشهر على الأقل ، والإرضاع سنتان فالمجموع ثلاثون شهرا ، تعاني فيها الأم مشاكل جمة من جهة الولد ، هذا بالإضافة إلى المشاكل في المستقبل التي تعانيها بسبب رعاية الولد وعنايتها به ، أليس بعد هذه الأتعاب تستحق الأم الإحسان إليها من جانب الأولاد ، وهنا ينقسم الأولاد إلى قسمين قسم يعمل بوصيتنا له في الإحسان إلى أبويه ، وقسم لا يعمل ، كما انقسم الناس أمام الله سبحانه إلى قسمين قسم مؤمن ، وقسم كافر ، فالقسم المطيع يكون حاله (حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ) استحكم قوته البدنية والعقلية ، كأن يشدّ من التبعثر ، وبهذا البلوغ يتمكن عقله من الفهم على وجوب الإحسان إليهما ، ويتمكن بدنه من القيام بخدمتهما (وَ) هذه الحالة تمتد حتى (بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً) حيث القوة البدنية تأخذ بالضعف ، وحيث أن الغالب موت الأبوين قبل بلوغ الولد ذلك ، فلا حاجة لهما إلى خدمة الولد (قالَ) الإنسان يا (رَبِّ أَوْزِعْنِي) ألهمني وخذ أمامي حتى لا أنحرف عن الجادة ، فإن معنى وزعه : منعه (أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) ____________________________________ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَ) فإن قوة الشباب ذهبت احتاج الإنسان إلى الاستعانة بالله أكثر في التوفيق للشكر ، ولأن حالة الحدة تأخذ مجراها إلى الإنسان فهو يكون أبعد من الشكر ، لأن مشكلات الحياة تستفزه فيكون أقرب إلى الكفران ، والشكر للنعمة التي كانت على الوالدين ، نوع إطاعة لله وإحسانه إليها (وَ) أوزعني (أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ) فأريد منك يا رب أن توجه قلبي ولساني بالشكر ، وجوارحي بالعمل الصالح (وَ) يا رب أدعوك أن (أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) اجعلهم صالحين ، و «في» باعتبار أن الصلاح يقع فيهم ، و «لي» باعتبار أن صلاح الذرية عائد إلى الوالدين ، سمعة وثوابا ، ولعل الإتيان بهذه الجملة هنا للدلالة على أن الإحسان إلى الأبوين يؤثر في إحسان الذرية للإنسان ، فصلاح الإنسان يسبب صلاح الذرية ، أما ما سلف مني من المخالفة ف (إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ) يا رب وأستغفرك عن ذلك (وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) لك أعترف بذلك ، ليكون الإنسان أقرب إلى التواضع ، فالإنسان الحسن هو الذي عبد الله ولم يشرك به ، وأحسن إلى والديه من حين بلوغ أشده إلى حين أربعين سنة ، وحيث فقد الوالدين ببلوغ الأربعين دعا لهما ، واعترف بفضلهما ، وطلب من الله أن يعينه في المستقبل «حالة ضعفه» أن يشكره كما كان يشكره سابقا ، وطلب منه إصلاح ذريته .. وقد صبت هذه الحقيقة في هذا القالب البلاغي الرائع الذي يمشي بالإنسان من حين حمل الأم له إلى أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (16) وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي ____________________________________ حين بلوغه أربعين سنة ، وإنما لم تختم الآية الإنسان ، إلى حين الموت لبقاء فجوة في النفس ، كما هي العادة في الألواح الجميلة ، ليذهب الخيال كل مذهب.