ثم وصف سبحانه المنافقين بما هي السمة الظاهرة لهم في كل حال وزمان الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ التربّص الإنتظار، يعني أنهم ينتظرون لأموركم ويراقبون أحوالكم فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ بالظفر والغَلَبة والغنيمة قَالُواْ ، أي أولئك المنافقون أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ أيها المؤمنون، فإنّا آمنّا وغزونا وصلّينا وعملنا تحت لواء الإسلام يريدون بذلك التحفّظ على أنفسهم في مستوى المؤمنين جاهاً واغتناماً وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ بأن تقدّم الكفار أو دارت الدائرة على المؤمنين قَالُواْ أولئك المنافقون للكافرين الذين كان لهم نصيب أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ، أي نسيطر عليكم ونرشدكم مواقع صلاحكم وَنَمْنَعْكُم مِّنَ بأس الْمُؤْمِنِينَ بدلالتكم على مواقع الهَلَكة، وكنّا نُلقي الرعب في قلوب المؤمنين منكم حتى نلتم أيها الكافرون ما نلتم بسببنا، ولذا فلنا ما لكم يريدون بذلك تشريك أنفسهم في جاه الكفار وأرباحهم فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ أيها المسلمون الذين فيكم المُخلص والمنافق (يَوْمَ الْقِيَامَةِ حتى يميّز بينكم ويعطي كلاًّ جزائه، ثم لا يظن المسلمون أنّ المنافقين يتمكنون بنفاقهم أن يُحدثوا ثغرة فيهم فإن الكافر لا يسلّط على المؤمن أبداً لا في الحجة ولا في غيرها ما دام المؤمنون ملتزمون بشرائط الإيمان عقيدة وعملاً وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ أبداً لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً، نعم إذا خرج المؤمنون عن شرائط الإيمان عقيدة أو عملاً صار للكفار عليهم سبيل، وقد نرى في طول التاريخ أنه لم يغلب الكفار على المؤمنين إلا إذا خرج المؤمنون عن طاعة الله ورسوله كما رأينا في قصة أُحُد حين ترك الرماة مواقفهم، وهذا لا ينافي تسلّط بعض أفراد الكفار على بعض أفراد المؤمنين قتلاً ونحوه لأن قضية "لن يجعل" طبيعية كسائر القضايا الواردة في أمثال المقام.