وَ اذكر يارسول الله إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى فإنه (عليه السلام) رأى جيفة تمزّقها السباع فيأكل منها سباع البر وسباع الهواء ودواب البحر فسأل الله إبراهيم فقال: يارب قد علمت أنك تجمعها من بطون السباع والطير ودواب البر فأرني كيف تحييها لأُعاين ذلك قَالَ الله سبحانه أَوَلَمْ تُؤْمِن على نحو إستفهام التقرير، ليقول آمنت، كقوله: "ألستم خير من ركب المطايا" قَالَ إبراهيم (عليه السلام) بَلَى أنا مؤمن وَلَكِن أسأل ذلك لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ويكون يقيني عين اليقين فإن الإنسان الذي يعلم أن النار -مثلاً- حارة، يسمى ذلك علم اليقين، فإذا رآها سمّي حق اليقين، فإذا أدخل يده فيها فاحترقت سمّي عين اليقين، وورد أنه (عليه السلام) علم أنّ الله يتخذ عبداً له خليلاً إذا سأله إحياء الموتى أحياها فأراد أن يطمئن أنه هو قَالَ الله سبحانه فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ الطاووس والحمام والغراب والديك فاذبحهنّ وقطّعهنّ واخلطهنّ بعضاّ ببعض فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ من صرته بمعنى قطعته و(إليك) إنما هو من مستلزمات القطع، فإنّ الإنسان إذا أراد أن يقطع شيئاً قطعاً جيداً ويخلطه لابد وأن يجذبه إليه ولعله كناية عن القطع الجيد والتخليط البالغ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ من عشرة جبال مِّنْهُنَّ جُزْءًا وإنما ذلك يدل على أن الأجزاء الميتة تجتمع من محلات متباعدة وقت الحشر ثُمَّ ادْعُهُنَّ بأن تأخذ بمنقار كل واحد من الطيور الأربعة في يدك وتدعوه باسمك يَأْتِينَكَ يجتمع الأجزاء من الجبال سَعْيًا مسرعات وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ لا يمتنع عليه شيء حَكِيمٌ فيما يفعل فلا يفعل شيئاً إعتباطاً وعبثاً، ففعل إبراهيم (عليه السلام) ذلك فتطايرت الأجزاء بعضها الى بعض حتى استوت الأبدان وجاء كل بدن حتى نظم الى رقبته ورأسه فأطلقها إبراهيم (عليه السلام) فطرن فالتقطن الحب وشربن الماء ثم دعون لإبراهيم (عليه السلام).