إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ بهذا النظام البديع والترتيب الرائع وَالأَرْضِ بهذا الأسلوب المنظم المتكامل، وَ في اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ يأتي أحدهما عقب الآخر خليفة لتنظيم الحياة على الأرض بأجمل صورة، وَ في الْفُلْكِ السفينة الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ في أسفارهم وتجاراتهم، وَ في مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء جهة العلو مِن مَّاء ببيان "ما"، فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بالإنبات بَعْدَ مَوْتِهَا، أي جمودها وركودها، وَبَثَّ، أي نشر وفرق فِيهَا، أي في الأرض مِن كُلِّ دَآبَّةٍ تدب وتتحرك على وجه الأرض، وكلمة "بث" عطف على "أحيا"، أي كان المطر سبباً لإحياء الأرض وانتشار الحيوانات فيها، إذ لولا الماء لم يكن للحيوان ماء ولا طعام، فهلك ولم يبق له نسل، وَ في تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ، أي صرفها ونقلها من مكان إلى مكان لتروح وتذهب بالأمراض والعفونات وتنقل السحاب من هنا إلى هناك، ولو كانت الرياح راكدة لم تنفع أي شيء، وَ في السَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ، فإنه بما يكونه من أطنان من الماء يبقى معلقاً بين الجهتين، ويسير إلى كل ناحية لآيَاتٍ وعلامات دالة على الله وحدته وسائر صفاته لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ويعملون عقولهم في استفادة النتائج من المقدمات والمسبب عن الأسباب، وينتقلون من العلم بالمعلول إلى العلم بالعلة.