إنهم ناموا ما شاء الله أن يناموا ثلاثمائة سنين ، أو أكثر ـ بقدرة الله تعالى وإرادته ـ ثم شاءت إرادته أن يوقظهم من رقدتهم الطويلة ، وقد مات الملك «دقيانوس» وتبدلت الأقوام والبلاد (وَكَذلِكَ) أي كما فعلنا لهم تلك الخوارق (بَعَثْناهُمْ) أي أيقظناهم (لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ) ليسأل بعضهم بعضا ، والمراد وصولهم إلى نتيجة التساؤل ، وهو علمهم بمدة نومهم ، من باب ذكر السبب ، وإرادة المسبب ، فإن القائل ينتهي إلى معرفة المدة مما يزيدهم علما على علم ، وإيمانا على إيمان (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ) أحد الفتية ، يسأل أصدقائه (كَمْ لَبِثْتُمْ) في نومكم (قالُوا) في الجواب (لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) قالوا وقد ناموا غدوة ، واستيقظوا في آخر النهار ، ولذا لما نظروا إلى الشمس وهي في وقت العصر ، قالوا «يوما» باعتبار طول النهار «أو بعض يوم» باعتبار استثناء الباقي من النهار ، ثم تركوا هذا الموضوع الذي لا يهمهم ، وإن أحسوا بنوم طويل ، وجوع شديد ، وأرجعوا علم ذلك إلى الله (قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ) أي بمدة لبثكم ، ومن هذا يظهر أنه احتمل بعضهم أنهم ناموا يومين أو أكثر (فَابْعَثُوا) أي أرسلوا (أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ) الورق اسم جنس للدرهم ، ولذا وصفت ب «هذه» مؤنثا ، باعتبار التعدد من الدرهم (إِلَى الْمَدِينَةِ) أي البلدة التي خرجوا منها (فَلْيَنْظُرْ أَيُّها) أي أيّ الحوانيت والمحلات (أَزْكى) أطهر وأنظف وأطيب (طَعاماً) ليشتري منها ، (فَلْيَأْتِكُمْ) أي ذلك المبعوث (بِرِزْقٍ مِنْهُ) أي من ذلك الأزكى و (لْيَتَلَطَّفْ) قالوا إن التاء في هذه الكلمة ، نصف القران الحكيم بحسب الحروف ، وإن كان نصفه بحسب الأجزاء ، ما يأتي من قوله (قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ) (1) والمعنى أن يعامل البائع بلطف ودقة ، ولا يماكس في الشراء ، حتى لا ينجر الأمر إلى معرفته ، ثم يؤخذ إلى الملك ، ونقع في المحذور الذي فررنا منه (وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ) أي لا يخبرن هذا الذاهب لاشتراء الطعام عنكم ـ أيها الرفقة ـ (أَحَداً) من أهل المدينة ، فإنهم إن علموا بمكانكم ، وشاع خبركم ، وقعتم في المحذور.