۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة الرعد، آية ١٨

التفسير يعرض الآية ١٨

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

لِلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُۥ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ سُوٓءُ ٱلۡحِسَابِ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٨

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

ثم ضرب ـ سبحانه ـ مثلا للحق الباقي ، والباطل الذاهب ، بما يلائم سياق الآيات السابقة ، فقد كان الكلام سابقا حول البرق ، والرعد ، والسحاب المثقل بالأمطار ، وباسط كفيه إلى الماء ، ويأتي المثل ليمثل للحق بالماء الهادئ الساكن النافع الباقي ، وللباطل بالزبد الذي يطفو فوق الماء ، حتى يراه الإنسان أعلى من الماء ، لكن هذا الباطل الرابي ، لا يمر زمان حتى يذهب ويبطل ، وذلك الماء يبقى ليحيي وينتفع به ، وكذلك من هذا القبيل ما يذاب من المعادن ، فإن الزبد يطفو فوقه ، والخالص يبقى تحته ، فيبطل الزبد ، ويبقى الخالص ، ليتجمل به أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً ____________________________________ الإنسان وينتفع منه ، فالحياة والجمال هما من الباقي الذي هو مثل للحق ، والباطل لا يمثل إلا دور الزبد الذي يعلو ـ في النظر ـ أولا ، ثم لا يلبث أن يذهب ويضمحل ، فلا يبقى منه شيء ، ولم ينفع شيئا ، الزبد مثال للباطل الذي يتخذه هؤلاء المشركين ، كالأصنام ، التي لا تنفع ، وإن ظهرت أول الأمر غالبة على الحق ، والماء والحلية مثال للحق ، الذي يتخذه المؤمنون للحياة والتجمل ، وإن علاه الباطل ـ كالزبد الرابي على الماء ، والحلية ـ ابتداء ، (أَنْزَلَ) سبحانه (مِنَ السَّماءِ ماءً) أي المطر ، والمراد من السماء ، جهة العلو (فَسالَتْ) أي جرت (أَوْدِيَةٌ) جمع وادي ، وهو النهر (بِقَدَرِها) أي كلّ بقدره ، فالنهر الصغير أخذ من ذلك الماء قدرا قليلا ، والنهر الكبير ، أخذ من ذلك الماء قدرا كثيرا ـ وكان بيان إنزال الماء من السماء لتشبيه الحق المنزل به ، فإن الحق ينزل من الماء ، ثم يختلط به الباطل ، إذ الباطل إنما يروج نفسه باسم الحق ، وبعد ذلك ، يذهب الباطل ، ويبقى الحق ، وهكذا الماء ، فإنه ينزل من السماء صافيا ، ثم يعلوه الزبد في الأرض ، وكان وجه ذكر (فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها) بيان أن الحق هكذا في مجاري الأمم ، فرب أمة أخذت من الحق كثيرا حسب طيب نفوسها ، وحسن الدعوة فيها ، ورب أمة أخذت من الحق قليلا ، حسب خبث نفوسها وبعد الدعوة عنها ، (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ) أي أخذ السيل ، الذي يمر في الأودية ، من سال الماء ، إذا جرى (زَبَداً رابِياً) أي طافيا على الماء ، من ربي بمعنى علا ، فإن الماء لا يلبث أن يظهر ، والزبد لا يلبث وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ____________________________________ أن يذهب ، وهكذا الحق يبقى ـ ليحيا ـ والباطل يفنى ويذهب (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ) يقال أوقد النار ، بمعنى أشعلها ، وضمير «عليه» يرجع إلى «ما» الموصولة في «مما» الذي مصداقه «الفلزات» كالفضة والذهب والحديد ، وسائر المعادن ، وإنما قال «عليه» لأن الإيقاد ، يكون «على الفلز» كأنه يضرّ به ، إذ يخضعه للذوبان ، كالذي يتسلط على غيره (فِي النَّارِ) حال تقديره ثابتا في النار ، أي في حال كون ما يوقد عليه ، ثابتا في النار ، فإن الفلز يجعل على النار حتى يذوب (ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ) حال عن الضمير في «يوقدون» أي الذين يوقدون الفلز في النار ، في حال كونهم يبتغون ويطلبون بذلك الزينة ـ كما لو أذابوا الذهب والفضة ، للسوار والقلادة ونحوهما ـ أو يطلبون بذلك «المتاع» أي ما يمتع به ، ويستعمل في الحوائج ـ كما لو أذابوا الزنك ، والحديد والنحاس ، لصنع الأواني والمحراث ، والإبريق ونحوها ـ فهنا حالان ، «في النار» حال عن الضمير في «عليه» و «ابتغاء» حال عن الضمير في «يوقدون» و (زَبَدٌ مِثْلُهُ) مبتدأ و «مثله» صفته ، خبره «مما يوقدون» المتقدم ، وإنما تقدم الخبر ، لأن المبتدأ ، إذا كان نكرة ، قدم خبره الذي هو ظرف ، أو جار ومجرور عليه ، قال ابن مالك. |ولا يجوز الابتداء بالنكرة | |ما لم تغد كعند زيد نمرة | | | | |

والمعنى أن بعض الفلزات الذي يشعل الناس النار «عليه» أي على ضرر ذلك الفلز لأجل إخضاعه وإذابته ، في حال كون ذلك الفلز في النار ، وفي حال كون الناس يبتغون بالإذابة ، صنع الزينة ، أو صنع الأمتعة ، زبد خبيث ، مثل زبد الماء ، فيطفوا على البوتقة ، حتى يغطي كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ (17) لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى ____________________________________ الفلز المذاب الصالح (كَذلِكَ) الذي مثلنا من الماء وزبده والفلز وزبده (يَضْرِبُ اللهُ) مثلا ل (الْحَقَّ وَالْباطِلَ) فالحق يحيي ، ويسبب الجمال ، كالماء الذي يحيي ، والفلز الذي يسبب الجمال ورفع الحاجة ، والباطل يفنى ويذهب كالزبد الذي يطفو على الماء وعلى البوتقة ، ولعل التعبير ـ ب «الضرب» في المثل ، لأجل اصطدام الذهن به ، فإن الذهن يتأثر بالمثل أكثر مما يتأثر بأصل المطلب ، ولذا أن من فنون البلاغة أن يكثر الإنسان المثل ، فإنه يوجب توضيح المطلب وترسيخه (فَأَمَّا الزَّبَدُ) الطافي ، (فَيَذْهَبُ جُفاءً) أي باطلا متفرقا ، بحيث لا ينتفع به ، من جفأت القدر بزبدها إذا ألقيت زبدها عنها ، (وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ) من الماء الجاري في الأودية ، والفلز الصافي (فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) يبقى ليسقي الزرع والحيوان والإنسان ، أو يمتع به في حوائجه (كَذلِكَ) الذي تقدم من المثل (يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ) للناس واضحة جلية ، ليرسخ الحق في أدمغتهم ، ويتركز في نفوسهم.