وفي هذا الجو المدهش ، يتوجه إليهم بالأسئلة ، ليجيبوا عنها ، كما شاهدوا من ذي قبل ، فإنك إذا أردت أن تلجأ إنسانا إلى السير معك في فكرك ونظرك ، جئت إليه بالواقع الذي لا يتمكن أن يحيد عنه ثم تسأل منه ، كما أنك لو أردت اعترافه بأن سيارتك أجمل من سيارته ، جئت إليه بها ، ثم تقول له أيهما أجمل ، وقد أتى السياق هنا جملة من الآيات الكونية ، وألفت الأنظار إليها ، ثم يسأل (قُلْ) يا رسول الله لهؤلاء الكفار (مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)؟ هل هو الله أم أصنامكم؟ إنهم لا يحرون جوابا ، لأن الجواب الحقيقي لا يريدونه ، والجواب الذي لا يناسب عبادتهم لا يرون له مجالا ، فكيف يقولون إن رب تلك الآيات الكثيرة المدهشة المتقدمة هي الأصنام التي لا تعقل؟ ف (قُلْ) أنت يا رسول الله في الجواب : إن رب السماوات والأرض هو (اللهُ) وحده ، ثم (قُلْ) يا رسول الله لهم (أَفَاتَّخَذْتُمْ) هل عبدتم (مِنْ دُونِهِ) من دون الله (أَوْلِياءَ) أصناما تتولونها وتعبدونها وتمحضون لها الولاية والمحبة؟ إنه عمل قبيح ، أن يترك الإنسان خالق السماوات والأرض ، ويتخذ إلها غيره لا يسمع ولا يعقل ، والحال أن هذه الأصنام (لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا) فلا يقدر الصنم أن يجلب لنفسه نفعا ، ولا أن يدفع عن نفسه ضرا فكيف يكون إلها ما لا يقدر حتى على نفع نفسه ، ودفع الضر عنه؟ وقد تقدم ، أن الإتيان بالجمع العاقل نحو «لا يملكون» تماشيا مع زعم المشركين ، ومن المعلوم أن المشركين يسكتون هنا أيضا ، إذ يرون الحق في جانب الرسول ، ولكنهم لا يقدرون على الجواب ف (قُلْ) لهم يا رسول الله (هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ)؟ والجواب ـ طبعا ـ لا يستويان ، فكيف اتخذوا الصنم الأعمى ـ الذي لا يبصر ـ إلها ، وتركوا الخالق البصير بكل شيء؟ ثم قل لهم (أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ)؟ والجواب ـ طبعا ـ لا يستويان ، فكيف اتخذوا الصنم الذي هو ظلمة ـ لا ظاهر بنفسه ولا مظهر لغيره ـ إلها ـ ، وتركوا الخالق الذي هو نور السماوات والأرض ، ظاهر بذاته مظهر لغيره؟ (أَمْ) كيف (جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ)؟ بعد تمام الحجة ووضوح الدليل ، فهل (خَلَقُوا) أي خلقت هذه الأصنام التي جعلوها شركاء لله ، أشياء (كَخَلْقِهِ) أي مثل ما خلق سبحانه أشياء (فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ) أي فاشتبهت مخلوقات الله بمخلوقات الأصنام ، فعبدوا الأصنام ، كما عبدوا الله سبحانه ، حتى يكونوا معذورين في الشرك ، وإنما جيء بقوله «فتشابه» مع إنه ليس من مصب الكلام ، ومورد النفي والإثبات ، لبيان أنه لو كانت الأصنام خلقت شيئا ، كان لهم الحق ، في أن يقولوا : إنا قد تشابه الأمر علينا ، إذ رأينا أن الأصنام تخلق كما خلق الله ، فقلنا إنها آلهة ، كما إن الله إله ، أما والأصنام ، لم تخلق شيئا ، فلا يحق لهم عبادتها ، إذ ليس لها من مقومات الالوهية شيء ، ... وأخيرا (قُلْ) يا رسول الله لهم (اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) فلا خالق سواه ، فإن قيل : فما معنى «أحسن الخالقين» مما يدل على أن غيره أيضا خالق؟ قلنا أن ذلك على ضرب من المجاز والتشبيه ، لا الحقيقة ـ كما هو واضح ـ (وَهُوَ الْواحِدُ) لا شريك له (الْقَهَّارُ) الغالب على كل شيء ، فلا شيء في عداده ، إذ لو كان شيء مثله ، لم يعمه قهر الله سبحانه وغلبته ، فإذا كان تعالى غالبا على كل شيء ، دل على إنه ليس شيء في عداده ، خارج عن قهره وغلبته.