۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة هود، آية ٤٥

التفسير يعرض الآية ٤٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَنَادَىٰ نُوحٞ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٤٥

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

لقد طافت السفينة على الماء أياما ، ونوح والمؤمنون والحيوانات فيها ، وأخذ الماء ينهمر من السماء ويخرج من الأرض حتى غرق الكفار بأجمعهم (وَ) حينذاك (قِيلَ) المراد أن الله سبحانه قال ذلك ، إما بنفسه أو بأمر بعض الملائكة أن يقول ذلك ، أو المراد إرادته سبحانه ، فعبّر عنه بالقول : (يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ) ردّي واشربي الماء الذي وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ ____________________________________ أخرجتيه بسبب تفجّر العيون ، وقد أريد بذلك : نشف الماء دفعة كأنه بلع له (وَيا سَماءُ أَقْلِعِي) أي قال تعالى للسماء : أمسكي المطر ولا ترسلي الماء إلى الأرض. فبلعت الأرض ماءها ، وأمسكت السماء عن المطر. وهل أن المراد من «ابلعي ماءك» جميع الماء الموجود فيها ولو كان الماء النازل من السماء ، أم خصوص مائها ، وبقي ماء السماء وتسرب في المسارب والمنحدرات؟ احتمالان. وقد روي عن الأئمة الطاهرين عليهم‌السلام : أن الماء بقي ، وصار بحارا وأنهارا (1). أقول : إن العلم الحديث دلّ على كون الجبال كلها كانت غامرة في الماء ، حتى أرفع الجبال كانت كذلك ، وقد وجد فيها آثار للماء والحيوانات المائية ، ولعل ذلك ـ إن صح ـ كان من وقت الطوفان حيث دلّ الدليل على غمر الماء لكل الجبال. وهل أن الخطاب حقيقي لشعور السماء والأرض بالأمر والنهي ، بمقتضى ((وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) (2) ، أو المراد نتيجة ذلك ، من باب خطاب العارف نحو : «أيا جبلي نعمان بالله خليا». احتمالان؟ ولا يبعد الأول ، كما قال سبحانه : (فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) (3) ، وهكذا أمثالها ، مما ظاهره شعور السماء والأرض. (وَغِيضَ الْماءُ) أي ذهب الماء من وجه الأرض إلى باطنها من __________________ (1) بحار الأنوار : ج 11 ص 304. (2) الإسراء : 45. (3) فصلت : 12. وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) ____________________________________ «غاض يغيض» إذا تسرّب في الباطن (وَقُضِيَ الْأَمْرُ) تمّ الأمر المراد ، وهو هلاك الكفار ونجاة المؤمنين (وَاسْتَوَتْ) استقرت السفينة (عَلَى) جبل يسمى (الْجُودِيِ) وقد ورد في التفاسير أنه جبل بالموصل في شمال العراق (1) (وَقِيلَ) أي قال الله سبحانه ، أو الملائكة ، أو نوح والمؤمنون ، والمراد : نتيجة ذلك (بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) الذين كفروا وظلموا أنفسهم ، فليبتعدوا عن رحمة الله ، وعن سعادة الدنيا بالهلاك ، وعن خير الآخرة بدخول النار. وقد ذكر المفسرون وأهل البلاغة أن هذه الآية الكريمة في كمال البلاغة مما يدهش العقول والألباب فقد ذكروا أن كفار قريش أرادوا أن يتعاطوا معارضة القرآن فعكفوا على لباب البرّ ولحوم الضأن وسلاف الخمر أربعين يوما لتصفو أذهانهم ، فلما أخذوا فيما أرادوا سمعوا هذه الآية ، فقال بعضهم لبعض : هذا كلام لا يشبه شيء من الكلام ، ولا يشبه كلام المخلوقين ، وتركوا ما أخذوا فيه وافترقوا. وكان أهل الجاهلية إذا ألّفوا أفصح القصائد علقوها بالكعبة ، وهكذا حتى جمعت من أفصح القصائد وأبلغها على الكعبة سبع ، لامرئ القيس وزملائه ، فلما نزلت هذه الآية ، أمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكتابتها ، وأن تعلق قرب المعلقات السبع ، فف عل ذلك بعض المسلمين ، ولما أصبحت قريش وأتت إلى الكعبة ، ورأت الآية إلى جنب المعلقات ، __________________ (1) بحار الأنوار : ج 11 ص 333. وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي ____________________________________ اضطرت إلى أن تقلع المعلقات ولم تدعها قرب الآية. ويقال : أن ثلاثة من الملحدين أرادوا معارضة القرآن ليبطلوا أساس الإسلام ، فاجتمعوا في مكة ، وضمن كل واحد منهم أن يقول مثل ثلث القرآن إلى العام القابل ، واجتمعوا في القابل في مكة فقال أحدهم : إني أعرضت عن معارضة القرآن لما رأيت أن فيه قوله : (وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ..) ، فقد علمت أني لا أتمكن أن آتي بما يشابهها. وقال الثاني : إني أعرضت عن معارضة القرآن حيث رأيت في قوله : (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا) (1) ، فقد علمت أنه لا يتسنّى لي مقابلة هذه الآية. وقال الثالث : إني أعرضت عن معارضة القرآن حيث رأيت فيه قوله : (وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (2) ، فقد علمت أنه لا يمكنني معارضة هذه الآية. ويقال أن الإمام الصادق عليه‌السلام مرّ بهم في ذاك الحال وهم يتذاكرون عجزهم وينسبون تلك الأسباب فيما بينهم ، فقال لهم : (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (3) (4).