(وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ) أي عملوها ، وغالبا يأتي «الكسب» بالنسبة إلى السيئات للدلالة على صعوبة السيئات بخلاف الحسنات ، وذلك واضح لأن السيئات لها التواءات توجب الصعوبة لمكتسبها فمثلا الزواج فيه سهولة اطمئنان النفس إلى دار ، وأهل ، وأولاد ، وقلوب تحنو عليه ، ومستقبل يقوم به النسل ، وذكر جميل وسيادة. والسفاح بالعكس من كل ذلك ، بالإضافة إلى صرف المال والطاقة لقلب خاو (1) فاطر : 31. (2) المطففين : 25. وعمل مذموم ، وهكذا. وليس المقصود أن الحلال بلا صعوبة ، وأن الحرام بلا لذة ، وإنما المقصود أن الحلال دائما أهنأ وأسهل من الحرام ، فإنه سبحانه خلط الحرام باللذة القليلة ، والحلال بالتعب اليسير ، ليختبر ويمتحن ، فلو كان الحلال بلا تعب لم يكن الآتي به ممدوحا ، ولو كان الحرام بلا لذة لم يكن التارك له مستحقا للأجر والثواب. (جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها) لا يجازون بأكثر من عملهم ، إذ الجزاء بالأكثر ظلم قبيح ، و «جزاء» مبتدأ خبره «بمثلها» ، والجملة خبر لقوله : «الذين كسبوا» والعائد محذوف أي «لهم» ونحوه (وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) تلحقهم ذلة نفسية ، فإن الإنسان المعذّب يحس في نفسه ذلة وانهزاما (ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ) ليس يحفظهم عن العذاب اللاحق بهم حافظ من قبل الله ، أو المراد : لا ينجيهم من عذاب الله حافظ ، وهم بالإضافة إلى العذاب والصعوبات ، فإن الدم يحترق في الجسد ، وينقلب أسودا ، فيظهر لونه على الجسم لشفافية الجلد (كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً) فكأن الليل صار قطعا بسواده الشديد ، فأغشيت وجوههم بقطع منه ، قطعة فوق قطعة حتى لا يرى فيها أثر النور والضياء ، فهم في عذاب البدن ، وذلة النفس ، وسواد الوجه (أُولئِكَ) الذين كسبوا السيئات (أَصْحابُ النَّارِ) رفاقها والملازمون لها والمعرّفون بها (هُمْ فِيها خالِدُونَ) دائمون أبد الآبدين.