تلك حال الدنيا الزائلة وهذه حال الآخرة الباقية ، فلننظر إلى أحوال أهل تلك ، وأهل هذه بين الأمرين ، ف (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) الاعتقاد ، الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (26) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ ____________________________________ وأحسنوا العمل ، بأن آمنوا وعملوا الصالحات (الْحُسْنى) أي الحالة الحسنى ، فإنهم يجزون بإحسانهم إحسانا (وَزِيادَةٌ) فضل من الله سبحانه ، فمن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ، كما قال سبحانه في آية أخرى : (لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) (1) ، (وَلا يَرْهَقُ) «الرهق» لحاق الأمر ، ومنه «راهق الغلام» إذا لحق بالرجال ، ويستعمل اسما من «الإرهاق» وهو أن يحتمل الإنسان ما لا يطيقه ، أي لا يلحق (وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ) أي غبار وسواد (وَلا ذِلَّةٌ) انكسار وانهزام ، فليست كوجوه أهل المعاصي التي يظهر عليها أثر العذاب الجسدي بالقتر ، وأثر العذاب النفسي بالذلة ، بل وجوههم نضرة ، كما قال سبحانه : (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) (2) ، (أُولئِكَ) الذين أحسنوا (أَصْحابُ الْجَنَّةِ) رفاقها وملاكها (هُمْ فِيها خالِدُونَ) دائمون أبدا ، لا خروج لهم منها ، ولا تغيّر لها بهم.