۞ الآية
فتح في المصحفقَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِي مِنۡ أَمۡرِي عُسۡرٗا ٧٣
۞ نور الثقلين
التفسير يعرض الآية ٧٣
۞ الآية
فتح في المصحفقَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِي مِنۡ أَمۡرِي عُسۡرٗا ٧٣
۞ التفسير
في تفسير العياشي عن عبد الرحمن بن سيابة عن أبي عبد الله قال: إن موسى صعد المنبر وكان منبره ثلث مراق ( 25 ) فحدث نفسه ان الله لم يخلق خلقا أعلم منه، فأتاه جبرئيل فقال له: انك قد ابتليت وأنزله فان في الأرض من هو أعلم منك فاطلبه، فأرسل إلى يوشع انى قد ابتليت فاصنع لنا زادا وانطلق بنا واشترى حوتا من حيتان الحية فأخرج بآذربيجان ثم شواه، ثم حمله في مكتل، ثم انطلقا يمشيان فانتهيا إلى شيخ مستلق معه عصاه، موضوعة إلى جانبه وعليه كساء إذا قنع رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطى رجليه خرج رأسه، قال: فقام موسى يصلى وقال ليوشع: احفظ على، قال: فقطرت من الماء ( 26 ) في المكتل، فاضطرب الحوت، ثم جعل يثب من المكتل، قال: وهو قوله: واتخذ سبيله في البحر سربا قال: ثم إنه جاء طير فوقع على ساحل البحر ثم أدخل منقاره، فقال: يا موسى ما أخذت من علم ربك ما حمل ظهر منقاري من جميع البحر، قال: ثم قام يمشى فتبعه يوشع. قال موسى وقد نسي الزبيل ( 27 ) يوشع، وانما أعيى حيث جاوز الوقت فيه، فقال: " آتنا غداءنا لقينا من سفرنا هذا نصبا " إلى قوله: " في البحر عجبا " قال فرجع موسى يقص أثره حتى انتهى إليه وهو على حاله مستلق فقال له موسى: السلام عليك فقال السلام عليك يا عالم بني إسرائيل، قال: ثم وثب فأخذ عصاه بيده، قال: فقال له موسى: ان قد أمرت " ان أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا " فقال كما قص عليكم: " انك لن تستطيع معي صبرا " قال: فانطلقا حتى انتهيا إلى معبر ( 28 ) فلما نظر إليهم أهل المعبر قالوا: والله لا نأخذ من هؤلاء أجرا اليوم، فحمل عليهم فلما ذهبت السفينة كثرت الماء خرقها قال له موسى كما أخبرتم، ثم قال: ألم أقل لك انك لم تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من امرى عسرا. قال: وخرجا على ساحل البحر فإذا غلام يلعب مع غلمان عليه قميص حرير أخضر، في اذنيه درتان فتوركه العالم ( 29 ) فذبحه قال له موسى: " أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا * قال فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا " خبزا نأكله فقد جعنا، قال: وهي قرية على ساحل يقال لها ناصرة، وبها سمى النصارى نصارى فلم يضيفوهما ولم يضيفوا بعدهما أحدا حتى تقوم الساعة، وكان مثل السفينة فيكم وفينا ترك الحسين البيعة لمعوية، وكان مثل الغلام فيكم قول الحسن بن علي لعبد الله ابن علي: لعنك الله من كافر، فقال له: قد قتلته يا أبا محمد، وكان مثل الجدار فيكم على والحسن والحسين ( 30 )
في مجمع البيان سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أخبرني أبي بن كعب قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ان موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم؟ قال: أنا فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه ان لي عبدا، بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل، ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رؤسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه، فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا وامسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبر بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد، قال موسى لفتاه آتنا غدائنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمر الله تعالى به فقال فتاه: " أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة " الآية قال: وكان للحوت سربا، ولموسى وفتاه عجبا، فقال موسى: " ذلك ما كنا نبغي " الآية قال: رجعا يقصان الأثر حتى انتهيا إلى الصخرة، فوجدا رجلا مسجى بثوب، فسلم عليه موسى فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام، قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم أتيتك " لتعلمني مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا " يا موسى انى على علم من الله لا تعلمه علمنيه، وأنت على علم من الله علمك لا أعلمه أنا، فقال له موسى: " ستجدني انشاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا " فقال الخضر: " فان اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا " فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت سفينة وكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير قول. فلما ركبا في السفينة لم يفجأ الا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم ( 31 ) فقال له موسى: قوم حملونا بغير قول، عمدت إلى سفينتهم " فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل لك انك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمرى عسرا " قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: كانت الأولى من موسى نسيانا، قال: وجاء عصفور فوقع على جوف السفينة فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر: ما علمي وعلمك من علم الله الا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر. ثم خرجا من السفينة فبينا هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب بين الغلمان، فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتطعه فقتله، فقال له موسى: " أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك انك لن تستطيع معي صبرا " قال: وهذا أشد من الأول " قال إن سألتك عن شئ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت " إلى قوله: " يريد ان ينقض " كان مايلا، فقال الخضر ( 32 ) بيده فأقامه، فقال موسى: قوم قد اتيناهم ولم يضيفونا، " فلو شئت لا تخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: وددنا ان موسى كان صبر حتى يقص علينا من خبرهما.
في مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام: والصبر ما أوله مر وآخره حلو فمن دخله من اواخره فقد دخل، ومن دخله من أوائله فقد خرج، ومن عرف قدر الصبر لا يصبر عما منه الصبر، قال الله تعالى في قصة موسى والخضر عليهما السلام وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا
في كتاب علل الشرايع باسناده إلى جعفر بن محمد بن عمارة عن أبيه عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: إن موسى بن عمران، لما كلمه الله تكليما وأنزل عليه التورية، وكتب له في الألواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ، وجعل آيته في يده وعصاه، وفى الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وفلق البحر و غرق الله عز وجل فرعون وجنوده وعملت البشرية فيه حتى قال في نفسه ما أرى ان الله عز وجل خلق خلقا أعلم منى، فأوحى الله عز وجل إلى جبرئيل يا جبرئيل أدرك عبدي موسى قبل أن يهلك، وقل له: ان عند ملتقى البحرين رجلا عابدا فاتبعه وتعلم منه، فهبط جبرئيل على موسى بما أمر الله به ربه عز وجل، فعلم موسى ان ذلك لما حدثت به نفسه، فمضى هو و فتاه يوشع بن نون عليهما السلام، حتى انتهيا إلى ملتقى البحرين، فوجدا هنالك الخضر عليه السلام يتعبد الله عز وجل، كما قال الله عز وجل في كتابه: " فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما قال له موسى هل اتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا " قال له الخضر عليه السلام: " انك لن تستطيع معي صبرا " لانى وكلت بعلم لا تطيقه، ووكلت بعلم لا أطيقه، قال موسى: بل أستطيع معك صبرا، فقال له الخضر: ان القياس لا يحال له في علم الله وأمره " وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا * قال موسى ستجدني انشاء الله صابرا ولا اعصى لك أمرا " فلما استثنى المشية قبله " قال فان اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا " فقال موسى: لك ذلك على " فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها " الخضر عليه السلام فقال له موسى عليه السلام: " أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا أمرا * قال ألم أقل لك انك لن تستطيع معي صبرا * قال موسى لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمر عسرا * فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله " الخضر عليه السلام فغضب موسى وأخذ بتلبيبه ( 33 ) وقال له: " أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا " قال له الخضر: ان العقول لا تحكم على أمر الله تعالى ذكره، بل أمر الله يحكم عليها، فسلم لما ترى منى واصبر عليه فقد كنت علمت أنك لن تستطيع معي صبرا قال إن سألتك عن شئ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا آتيا أهل قرية وهي الناصرة واليها تنسب النصارى استطعما أهلها فأبوا ان يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد ان ينقض فوضع الخضر عليه السلام يده فأقامه فقال له موسى لو شئت لا تخذت عليه اجرا.
في مجمع البيان " فأبوا ان يضيفوهما " روى أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وآله قال: كانوا أهل قرية لئام. وفى الشواذ قراءة النبي صلى الله عليه وآله " يريد أن ينقض " بضم الياء وقراءة علي بن أبي طالب " ينقاص " بالصاد غير معجمة وبالألف.
في تفسير العياشي عن ليث بن سليم عن أبي جعفر عليه السلام شكى موسى إلى ربه الجوع في ثلاثة مواضع " آتنا غدائنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا " " لا تخذت عليه أجرا " " رب لما أنزلت إلى من خير فقير ".
في مجمع البيان " ان سألتك عن شئ " الآية وروى أن النبي صلى الله عليه وآله تلا هذه الآية فقال: استحيا نبي الله موسى. ولو صبر لرأى ألفا من العجائب.
في تفسير علي بن إبراهيم متصلا بما نقلنا عنه سابقا من قصة الخضر وموسى ويوشع عليهم السلام فمروا ثلاثتهم حتى انتهوا إلى ساحل البحر وقد شحنت سفينة ( 34 ) وهي تريد أن تعبر، فقال أرباب السفينة: نحمل هؤلاء الثلاثة نفر، فإنهم قوم صالحون فحملوهم، فلما جنحت السفينة في البحر قام الخضر عليه السلام إلى جوانب السفينة فكسرها وحشاها بالخرق والطين، فغضب موسى عليه السلام غضبا شديدا وقال للخضر عليه السلام: " أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا أمرا " فقال له الخضر عليه السلام: " ألم أقل لك أنك لن تستطيع معي صبرا قال موسى لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من امرى عسرا " فخرجوا من السفينة فنظر الخضر عليه السلام إلى غلام يلعب بين الصبيان حسن الوجه كأنه قطعة قمر وفى اذنيه درتان فتأمله الخضر عليه السلام ثم اخذه فقتله فوثب موسى على الخضر عليهما السلام وجلد به الأرض " فقال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا " فقال الخضر عليه السلام: " ألم أقل لك انك لن تستطيع معي صبرا قال موسى ان سألتك عن شئ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا * فانطلقا حتى " قال " إذا آتيا أهل قرية استطعما أهلها " وكان وقت العشى والقرية تسمى الناصرة و إليها نسب النصارى ولم يضيفوا أحدا قط ولم يطعموا غريبا فاستطعموهم فلم يطعموهم، ولم يضيفوهم، فنظر الخضر عليه السلام إلى حائط قد زال لينهدم فوضع الخضر عليه السلام يده عليه وقال: قم بإذن الله فقام، فقال موسى عليه السلام: لم ينبغ أن تضم الجدار حتى يطعمونا ويأوونا، وهو قوله عز وجل: " لو شئت لا تخذت عليه أجرا " فقال له الخضر عليه السلام: " هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطيع عليه صبرا " اما السفينة التي فعلت بها ما فعلت فإنها كانت لقوم مساكين يعملون في البحر فأردت ان أعيبها وكان وراءهم، أي وراء السفينة ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا هكذا نزلت وإذا كانت السفينة معيوبة لم يأخذ منها شيئا واما الغلام فكان أبواه مؤمنين وهو طبع كافرا كذا نزلت، فنظرت إلى جبينه وعليه مكتوب طبع كافرا " فخشينا ان يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا ان يبدلها ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما " فأبدل الله عز وجل والديه بنتا ولدت سبعين نبيا، واما الجدار الذي أقمنه فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما، وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما إلى قوله تعالى: " ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا ".
حدثني أبي عن محمد بن أبي عمير عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان ذلك الكنز لوح من ذهب مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله عجبت لمن يعلم أن الموت حق كيف يفرح وعجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يفرق ( 35 ) وعجبت لمن يذكر النار كيف يضحك، وعجبت لمن يرى الدنيا وتصرف أهلها حالا بعد حال كيف يطمئن إليها.