۞ نور الثقلين

سورة الإسراء، آية ٩١

التفسير يعرض الآيات ٩٠ إلى ٩٣

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَقَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفۡجُرَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَرۡضِ يَنۢبُوعًا ٩٠ أَوۡ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَعِنَبٖ فَتُفَجِّرَ ٱلۡأَنۡهَٰرَ خِلَٰلَهَا تَفۡجِيرًا ٩١ أَوۡ تُسۡقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمۡتَ عَلَيۡنَا كِسَفًا أَوۡ تَأۡتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ قَبِيلًا ٩٢ أَوۡ يَكُونَ لَكَ بَيۡتٞ مِّن زُخۡرُفٍ أَوۡ تَرۡقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤۡمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيۡنَا كِتَٰبٗا نَّقۡرَؤُهُۥۗ قُلۡ سُبۡحَانَ رَبِّي هَلۡ كُنتُ إِلَّا بَشَرٗا رَّسُولٗا ٩٣

۞ التفسير

نور الثقلين

٤٤٦

في كتاب الاحتجاج للطبرسي (ره) عن أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام قال: قلت لأبي، علي بن محمد عليهما السلام: هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله يناظر اليهود والمشركين إذا عاتبوه ويحاجهم؟ قال: مرارا كثيرة، ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان قاعدا ذات يوم بمكة بفضاء الكعبة إذ اجتمع جماعة من رؤساء قريش، منهم الوليد بن المغيرة المخزومي، وأبو البختري بن هشام وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل السهمي، وعبد الله بن أمية المخزومي، وكان معهم جمع ممن يليهم كثير، ورسول الله صلى الله عليه وآله في نفر من أصحابه يقرء عليهم كتاب الله ويؤدى إليهم عن الله امره ونهيه، فقال المشركون بعضهم لبعض: لقد استفحم أمر محمد ( 25 ) وعظم خطبه، فتعالوا نبدأ بتقريعه وتبكيته ( 26 ) وتوبيخه والاحتجاج عليه، وابطال ما جاء به ليهون خطبه على أصحابه، ويصغر قدره، فلعله ينزع عما هو فيه من غيه وباطله وتمرده وطغيانه، فان انتهى والا عاملناه بالسيف الباتر ( 27 ). قال أبو جهل: فمن الذي يلي كلامه ومجادلته؟ قال عبد الله بن أمية المخزومي: انا إلى ذلك، أنما ترضاني له قرنا حسيبا ومجادلا كفيا؟ قال أبو جهل: بلى، فأتوه بأجمعهم فابتدأ عبد الله بن أمية المخزومي فقال: يا محمد لقد ادعيت دعوى عظيمة و قلت مقالا هائلا! زعمت أنك رسول رب العالمين، وما ينبغي لرب العالمين وخالق الخلق أجمعين أن يكون مثلك رسوله بشرا مثلنا يأكل كما نأكل ويمشى في الأسواق كما نمشي، فهذا ملك الروم، وهذا ملك الفرس، لا يبعثان رسولا الا كثير مال عظيم حال، له قصور ودور وفساطيط وخيام وعبيد وخدام، ورب العالمين فوق هؤلاء كلهم فهم عبيده ولو كنت نبيا لكان معك ملك يصدقك ونشاهده، بل لو أراد الله أن يبعث إلينا نبيا لكان انما يبعث إلينا ملكا لا بشرا مثلنا، ما أنت يا محمد الا مسحور ولست بنبي. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هل بقي من كلامك شئ؟ قال: بلى لو أراد الله أن يبعث إلينا رسولا لبعث أجل من فيما بيننا مالا وأحسنه حالا، فهلا نزل هذا القرآن الذي تزعم أن الله أنزله عليك وابتعثك به رسولا على رجل من القريتين عظيم: اما الوليد ابن المغيرة بمكة، واما عروة بن مسعود الثقفي بالطائف، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هل بقي من كلامك شئ يا عبد الله؟ فقال: بلى لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا بمكة هذه، فإنها ذات أحجار وعرة وجبال تكسح أرضها ( 28 ) وتحفرها، و تجرى منها العيون، فإننا إلى ذلك محتاجون أو يكون لك جنة من نخيل وعنب، فتأكل منها وتطعمنا، " فتفجر الأنهار خلال " تلك النخيل والأعناب " تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا " فإنك قلت لنا: " وان يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم " فلعلنا نقول ذلك ( 29 ) ثم قال: " أو تأتى بالله والملائكة قبيلا " تأتى به وبهم وهم لنا مقابلون، أو يكون لك بيت من زخرف تعطينا منه وتعيننا به فلعلنا نطغى، فإنك قلت: " كلا ان الانسان ليطغى أن رآه استغنى " ثم قال: " أو ترقى في السماء " أي تصعد في السماء " ولن نؤمن لرقيك " أي لصعودك " حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه " من الله العزيز الحكيم إلى عبد الله بن أمية المخزومي ومن معه بأن آمنوا بمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب فإنه رسولي فصدقوه في مقاله، فإنه من عندي ثم لا أدرى يا محمد إذا فعلت هذا كله أؤمن بك أو لا نؤمن بك، بل لو رفعتنا إلى السماء وفتحت أبوابها وأدخلتناها لقلنا: " انما سكرت أبصارنا " أو سحرتنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أما قولك: " لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض " إلى آخر ما قلته، فإنك اقترحت ( 30 ) على محمد رسول الله أشياء: منها لو جاءك به لم يكن برهانا لنبوته، ورسول الله يرتفع من أن يغتنم جهل الجاهلين ويحتج عليهم بما لا حجة فيه، ومنها لو جاءك به لكان معه هلاكك، وانما يؤتى بالحجج والبراهين ليلزم عباد الله الايمان بها لا ليهلكوا بها، فإنما اقترحت هلاكك ورب العالمين ارحم بعباده وأعلم بمصالحهم من أن يهلكهم كما يقترحون، ومنها المحال الذي لا يصح ولا يجوز كونه، ورسول رب العالمين يعرفك ذلك ويقطع معاذيرك، ويضيق عليك سبيل مخالفته، ويلجأك بحجج الله إلى تصديقه حتى لا يكون لك عنه محيد ولا محيص ومنها ما قد اعترفت على نفسك انك فيه معاند متمرد لا تقبل حجة ولا تصغي إلى برهان ومن كان كذلك فدواؤه عذاب النار النازل من سمائه أو في حميمه أو بسيوف أوليائه. واما قولك يا عبد الله " لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا " بمكة هذه فإنها ذات أحجار وصخور وجبال تكسح أرضها وتحفرها وتجرى فيها العيون فإننا إلى ذلك محتاجون، فإنك سألت هذا وأنت جاهل بدلائل الله، يا عبد الله لو فعلت هذا كنت من أجل هذا نبيا؟ قال: لا، قال: أرأيت الطايف التي لك فيها بساتين اما كان هناك مواضع فاسدة صعبة أصلحتها وذللتها وكسحتها وأجريت فيها عيونا استنبطتها قال: بلى، قال: وهل لك فيها نظراء؟ قال: بلى، قال: فصرت بذلك أنت وهم أنبياء؟ قال: لا، قال: فكذلك لا يصير هذا حجة لمحمد لو فعلت على نبوته، فما هو الا كقولك: لن نؤمن لك حتى تقوم وتمشى على الأرض أو حتى تأكل الطعام كما تأكل الناس. واما قولك يا عبد الله: أو تكون لك جنة من نخيل أو عنب فتأكل منها وتطعمنا وتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أوليس لأصحابك ولك جنان من نخيل وعنب بالطائف فتأكلون وتطعمون منها وتفجرون الأنهار خلالها تفجيرا؟ أفصرتم أنبياء بهذا؟ قال: لا قال: اقتراحكم على رسول الله صلى الله عليه وآله أشياء لو كانت كما تقترحون لما دلت على صدقة، بل لو تعاطاها لدل تعاطيها على كذبه لأنه يحتج بما لا حجة فيه ويختدع الضعفاء عن عقولهم وأديانهم، ورسول رب العالمين يجل ويرتفع عن هذا. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عبد الله وأما قولك أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا فإنك قلت: " وان يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم " فان في سقوط السماء عليكم هلاككم وموتكم، فإنما تريد بهذا من رسول الله أن تهلك ورسول رب العالمين أرحم من ذلك، لا يهلكك ولكنه يقيم عليك حجج الله وليس حجج الله لنبيه وحده على حسب اقتراح عباده، لان العباد جهال بما يجوز من الصلاح وما لا يجوز منه ومن الفساد، وقد يختلف اقتراحهم ويتضاد حتى يستحيل وقوعه، والله لا يجرى تدبيره على ما يلزمه بالمحال، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وهل رأيت يا عبد الله طبيبا كان دوائه للمرضى على حسب اقتراحهم، وانما يفعل به ما يعلم صلاحه فيه، أحبه العليل أو كرهه، فأنتم المرضى والله طبيبكم، فان انقدتم لدوائه شفاكم، وان تمردتم أسقمكم، وبعد فمتى رأيت يا عبد الله مدعى حق من قبل رجل أوجب عليه حاكم من حكامهم فيما مضى بينه على دعواه على حسب اقتراح المدعى عليه؟ إذا ما كانت تثبت لاحد على أحد دعوى ولا حق، ولا كان بين ظالم ومظلوم، ولا بين صادق وكاذب فرق. ثم قال: يا عبد الله واما قولك أو تأتى بالله والملائكة قبيلا يقابلوننا ونعاينهم فان هذا من المحال الذي لا خفاء به، لان ربنا عز وجل ليس كالمخلوقين يجئ ويذهب ويتحرك ويقابل، حتى يؤتى به فقد سألتم بهذا المحال الذي دعوت إليه صفة أصنامكم الضعيفة المنقوصة، التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تغنى عنكم شيئا، ولا عن أحد، يا عبد الله أوليس لك ضياع وجنان بالطايف وعقار بمكة وقوام عليها؟ قال: بلى قال: أفتشاهد جميع أحوالها بنفسك أو بسفراء بينك وبين معامليك؟ قال: بسفراء، قال: أرأيت لو قال معاملوك وأكرتك وخدمك لسفرائك: لا نصدقكم في هذه السفارة الا أن تأتوا بعبد الله بن أبي أمية نشاهده فنسمع منه ما تقولون عنه شفاها كنت توسعهم ( 31 ) هذا؟ أو كان يجوز لهم عند ذلك؟ قال: لا، قال: فما الذي يجب على سفرائك؟ أليس ان يأتوهم عنك بعلامة صحيحة تدلهم على صدقهم يجب عليهم أن يصدقهم؟ قال: بلى، قال: يا عبد الله أرأيت سفيرك لو أنه لما سمع منهم عاد إليك وقال: قم معي، فإنهم اقترحوا على مجيئك معي، أيكون لك أن تقول له: اما أنت رسول مبشر وآمر ( 32 ) قال: بلى، قال: فكيف صرت تقترح على رسول رب العالمين ما لا تسوغ لاكرتك ومعامليك ان يقترحوه على رسولك إليهم؟ وكيف أردت من رسول رب العالمين ان يستندم إلى ربه بان يأمر عليه وينهى، وأنت لا تسوغ مثل هذا على رسولك إلى اكرتك وقوامك، هذه حجة قاطعة لابطال ما ذكرته في كل ما اقترحته يا عبد الله. واما قولك أو يكون لك بيت من زخرف وهو الذهب أما بلغك أن لعظيم مصر بيوتا من زخرف؟ قال: بلى، قال: أفصار بذلك نبيا قال: لا قال: فكذلك لا توجب بمحمد صلى الله عليه وآله لو كانت له نبوة، ومحمد لا يغتنم جهلك بحجج الله. واما قولك يا عبد الله أو ترقى في السماء ثم قلت: ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه يا عبد الله الصعود إلى السماء أصعب من النزول منها، وإذا اعترفت على نفسك انك لا تؤمن إذا صعدت فكذلك حكم النزول، ثم قلت: " حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه " من بعد ذلك ثم لا أدرى أؤمن بك أو لا أؤمن، فإنك يا عبد الله مقر انك تعاند حجة الله عليك، فلا دواء لك الا تأديبه على يد أوليائه البشر، أو ملائكة الزبانية، وقد أنزل الله على حكمة جامعة لبطلان كلما اقترحته، فقال تعالى: قل يا محمد سبحان ربى هل كنت الا بشرا رسولا ما أبعد ربى عن أن يفعل الأشياء على ما تقترحه الجهال بما يجوز وبما لا يجوز، و " هل كنت الا بشرا رسولا " لا يلزمني الا إقامة حجة الله التي أعطاني، فليس لي ان آمر على ربى ولا أنهى ولا أشير، فأكون كالرسول الذي بعثه ملك إلى قوم مخالفيه فرجع إليه يأمره أن يفعل بهم ما اقترحوه عليه، والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.

٤٤٧

في تفسير علي بن إبراهيم قوله: " وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا " فإنها نزلت في عبد الله ابن أبي أمية اخى أم سلمة رحمة الله عليها، وذلك أنه قال هذا لرسول الله بمكة قبل الهجرة، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى فتح مكة استقبله عبد الله بن أبي أمية فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يرد عليه السلام فاعرض عنه ولم يجبه بشئ وكانت أخته أم سلمة مع رسول الله صلى الله عليه وآله فدخل إليها فقال: يا أختي ان رسول الله صلى الله عليه وآله قد قبل اسلام الناس كلهم ورد على اسلامي، فليس يقبلني كما قبل غيره؟ فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله سعد بك جميع الناس الا أخي من بين قريش والعرب، رددت اسلامه وقبلت اسلام الناس كلهم الا أخي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أم سلمة ان أخاك كذبني تكذيبا لم يكذبني أحد من الناس، هو الذي قال: " لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو يكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتى بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه " قالت أم سلمة: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ألم تقل ان الاسلام يجب ما قلبه؟ قال: نعم، فقبل رسول الله صلى الله عليه وآله اسلامه.

٤٤٨

وفى رواية أبى الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله عز وجل: " حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا " أي عينا " أو يكون لك جنة " أي بستان " من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا " من تلك العيون " أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا " وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إنه سيسقط من السماء لقوله " وان يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم " قوله: " أو تأتى بالله والملائكة قبيلا " والقبيل الكثير " أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه " يقول: من الله إلى عبد الله بن أمية ان محمدا صادق، و ان أنا بعثته ويجئ معه أربعة من الملائكة يشهدون ان الله هو كتبه، فأنزل الله: " قل سبحان ربى هل كنت الا بشرا رسولا ".