۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة التغابن، آية ٩

التفسير يعرض الآيات ٦ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُۥ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٞ يَهۡدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْۖ وَّٱسۡتَغۡنَى ٱللَّهُۚ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٞ ٦ زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٧ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلۡنَاۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٨ يَوۡمَ يَجۡمَعُكُمۡ لِيَوۡمِ ٱلۡجَمۡعِۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلتَّغَابُنِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٩ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

ذَلِك بِأَنّهُ كانَت تّأْتِيهِمْ رُسلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَقَالُوا أَ بَشرٌ يهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَ تَوَلّوا وّ استَغْنى اللّهُ وَ اللّهُ غَنىّ حَمِيدٌ (6) زَعَمَ الّذِينَ كَفَرُوا أَن لّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَ رَبى لَتُبْعَثُنّ ثمّ لَتُنَبّؤُنّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَ ذَلِك عَلى اللّهِ يَسِيرٌ (7) فَئَامِنُوا بِاللّهِ وَ رَسولِهِ وَ النّورِ الّذِى أَنزَلْنَا وَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8) يَوْمَ يجْمَعُكمْ لِيَوْمِ الجَْمْع ذَلِك يَوْمُ التّغَابُنِ وَ مَن يُؤْمِن بِاللّهِ وَ يَعْمَلْ صلِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سيِّئَاتِهِ وَ يُدْخِلْهُ جَنّتٍ تجْرِى مِن تحْتهَا الأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِك الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) وَ الّذِينَ كَفَرُوا وَ كذّبُوا بِئَايَتِنَا أُولَئك أَصحَب النّارِ خَلِدِينَ فِيهَا وَ بِئْس الْمَصِيرُ (10)

القراءة

قرأ رويس عن يعقوب يوم نجمعكم بالنون و الباقون بالياء و قرأ أهل المدينة و ابن عامر نكفر عنه و ندخله بالنون فيهما و الباقون بالياء.

الحجة

حجة الياء أن الاسم الظاهر قد تقدم و وجه النون أنه كقوله «سبحان الذي أسرى بعبده» ثم جاء و آتينا موسى الكتاب.

الإعراب

«ذلك بأنه» الهاء ضمير الأمر و الشأن.

«أ بشر» مبتدأ و إنما جاز أن يكون مبتدأ مع كونه نكرة لأن الاستفهام سوغ ذلك كما أن النفي أيضا كذلك لكونهما غير موجبين يقال أ رجل في الدار أم امرأة و لا رجل في الدار و لا امرأة و قيل أنه فاعل فعل مضمر يفسره قوله «يهدوننا» كأنه قال أ يهدينا بشر يهدوننا و إنما أضمر لأن الاستفهام بالفعل أولى و قوله «أن لن يبعثوا» تقديره أنهم لن يبعثوا فسدت الجملة عن المفعولين بما جرى فيها من ذكر الحديث و المحدث عنه و لما كان لن في «لن يبعثوا» دليل الاستقبال تعينت أن قبلها لأن تكون مخففة من الثقيلة لأن لن يمنعها من أن تكون ناصبة للفعل يوم نجمعكم ظرف لتبعثن.

المعنى

لما قرر سبحانه خلقه بأنهم أتيهم أخبار من مضى من الكفار و إهلاكهم عقبه ببيان سبب إهلاكهم فقال «ذلك» أي ذلك العذاب الذي نالهم في الدنيا و الذي ينالهم في الآخرة «بأنه كانت تأتيهم» أي بسبب أنه كانت تجيئهم «رسلهم» من عند الله «بالبينات» أي بالدلالات الواضحات و المعجزات الباهرات «فقالوا» لهم «أ بشر يهدوننا» لفظه واحد و المراد به الجمع على طريق الجنس بدلالة قوله «يهدوننا» و المعنى أ خلق مثلنا يهدوننا إلى الحق و يدعوننا إلى غير دين آبائنا استصغارا منهم للبشر أن يكونوا رسلا من الله إلى أمثالهم و استكبارا و أنفة من اتباعهم «فكفروا» بالله و جحدوا رسله «و تولوا» أي أعرضوا عن القبول منهم و التفكر في آياتهم «و استغنى الله» بسلطانه عن طاعة عباده و إنما كلفهم لنفعهم لا لحاجة منه إلى عبادتهم و قيل معناه و استغنى الله بما أظهره لهم من البرهان و أوضحه من البيان عن زيادة تدعو إلى الرشد و تهدي إلى الإيمان «و الله غني حميد» أي غني عن أعمالكم مستحمد إليكم بما ينعم به عليكم و قيل حميد أي محمود في جميع أفعاله لأنها كلها إحسان ثم حكى سبحانه ما يقوله الكفار فقال «زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا» قال ابن عمر زعم زاملة الكذب و قال شريح زعم كنية الكذب

بين الله سبحانه بعض ما لأجله اختاروا الكفر على الإيمان و هو أنهم كانوا لا يقرون بالبعث و النشور فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يكذبهم فقال «قل» يا محمد «بلى و ربي» أي و حق ربي على وجه القسم «لتبعثن» أي لتحشرن أكد تكذيبهم بقوله «بلى» و باليمين ثم أكد اليمين باللام و النون «ثم لتنبؤن بما عملتم» أي لتخبرن و تحاسبن بأعمالكم و تجازون عليها «و ذلك» البعث و الحساب مع الجمع و الجزاء «على الله يسير» أي سهل هين لا يلحقه مشقة و لا معاناة فيه «فآمنوا» معاشر العقلاء «بالله و رسوله و النور الذي أنزلنا» و هو القرآن سماه نورا لما فيه من الأدلة و الحجج الموصلة إلى الحق فشبه بالنور الذي يهتدى به إلى الطريق «و الله بما تعملون خبير» أي عليم «يوم يجمعكم ليوم الجمع» و هو يوم القيامة أي ذلك البعث و الجزاء يكون في يوم يجمع فيه خلق الأولين و الآخرين «ذلك يوم التغابن» و هو تفاعل من الغبن و هو أخذ شر و ترك خير أو أخذ خير و ترك شر فالمؤمن ترك حظه من الدنيا و أخذ حظه من الآخرة فترك ما هو شر له و أخذ ما هو خير له فكان غابنا و الكافر ترك حظه من الآخرة و أخذ حظه من الدنيا فترك الخير و أخذ الشر فكان مغبونا فيظهر في ذلك اليوم الغابن و المغبون و قيل يوم التغابن غبن أهل الجنة أهل النار عن قتادة و مجاهد و قد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تفسير هذا قوله ما من عبد مؤمن يدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا و ما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة «و من يؤمن بالله و يعمل صالحا يكفر عنه سيئاته» أي معاصيه «و يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا» أي مؤبدين فيها و لا يفنى ما هم فيه من النعيم أبدا «ذلك الفوز العظيم» أي النجاح الذي ليس وراءه شيء من العظمة «و الذين كفروا» بالله «و كذبوا بآياتنا» أي بحججنا و دلائلنا «أولئك أصحاب النار خالدين فيها و بئس المصير» أي المال و المرجع.