۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الزمر، آية ٦٦

التفسير يعرض الآيات ٦١ إلى ٦٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ بِمَفَازَتِهِمۡ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦١ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ ٦٢ لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٦٣ قُلۡ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَأۡمُرُوٓنِّيٓ أَعۡبُدُ أَيُّهَا ٱلۡجَٰهِلُونَ ٦٤ وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٥ بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٦

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ يُنَجِّى اللّهُ الّذِينَ اتّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسهُمُ السوءُ وَ لا هُمْ يحْزَنُونَ (61) اللّهُ خَلِقُ كلِّ شىْءٍ وَ هُوَ عَلى كلِّ شىْءٍ وَكِيلٌ (62) لّهُ مَقَالِيدُ السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ الّذِينَ كَفَرُوا بِئَايَتِ اللّهِ أُولَئك هُمُ الْخَسِرُونَ (63) قُلْ أَ فَغَيرَ اللّهِ تَأْمُرُونى أَعْبُدُ أَيهَا الجَْهِلُونَ (64) وَ لَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْك وَ إِلى الّذِينَ مِن قَبْلِك لَئنْ أَشرَكْت لَيَحْبَطنّ عَمَلُك وَ لَتَكُونَنّ مِنَ الخَْسِرِينَ (65) بَلِ اللّهَ فَاعْبُدْ وَ كُن مِّنَ الشكِرِينَ (66)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير حفص بمفازاتهم و الباقون «بمفازتهم» و قرأ أهل المدينة تأمروني خفيفة النون مفتوحة الياء و قرأ ابن عامر تأمرونني بنونين ساكنة الياء و قرأ ابن كثير تأمروني مشددة النون مفتوحة الياء و الباقون «تأمروني» مشددة النون ساكنة الياء و قرأ زيد عن يعقوب لنحبطن عملك و الباقون و «ليحبطن عملك».

الحجة

قال أبو علي حجة الإفراد أن المفازة و الفوز واحد فأفراد المفازة كأفراد الفوز و حجة الجمع أن المصادر قد تجمع إذا اختلفت أجناسها و مثله في الإفراد و الجمع على مكانتكم و مكاناتكم و قوله «أ فغير الله تأمروني أعبد» غير ينتصب على وجهين ( أحدهما ) أعبد غير الله فيما تأمرونني ( و الآخر ) أن ينتصب بتأمرونني أي أ تأمرونني بعبادة غير الله فلما حذف أن ارتفع أعبد فصارت أن و صلتها في موضع نصب و لا يجوز انتصاب غير بأعبد على هذا لأنه في تقدير الصلة فلا يعمل فيما تقدم عليه فموضع أعبد و أن المضمرة نصب على

تقدير البدل من غير كأنه قال أ بعبادة غير الله تأمروني إلا أن الجار حذف كما حذف من قوله أمرتك الخير و صار التقدير بعد الحذف أ غير الله تأمروني عبادته فأضمر المفعول الثاني للأمر و المفعول الأول علامة المتكلم و أن أعبد بدل من غير و مثل هذا في البدل قوله و ما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره أي ما أنساني ذكره إلا الشيطان و أقول في بيانه و شرحه أن تقديره كان في الأصل أ فبعبادة غير الله تأمرونني ثم حذف الجار الذي هو الباء فوصل الفعل فنصبه فصار أ فبعبادة غير الله تأمرونني ثم حذف المضاف الذي هو عبادة و أقيم المضاف إليه الذي هو غير مقامه فصار أ فغير الله تأمرونني ثم جعل أعبد الذي تقديره أن أعبده و هو في معنى عبادته بدلا من غير الله و بيانا للمحذوف الذي هو عبادة في قوله أ فبعبادة غير الله فصار مثل قوله تعالى «و ما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره» و من قال أن قوله «أعبد» في موضع نصب على الحال فلا وجه لقوله و أما على الوجه الأول و هو أن يكون غير الله منصوبا بأعبد فإنه يكون تأمرني اعتراضا بين العامل و المعمول.

رجعنا إلى كلام أبي علي فأما تأمروني فالقياس تأمرونني و يدغم فيصير تأمروني و جاز الإدغام و إسكان النون المدغمة لأن قبلها حرف لين و هو الواو في تأمرونني و من خفف فقال تأمروني ينبغي أن يكون حذف النون الثانية المصاحبة لعلامة المنصوب المتكلم لأنها قد حذفت في مواضع نحو:

يسوء الفاليات إذا فليني و إني و كأني و قدي و قدني و إنما قدرنا حذف الثانية لأن التكرير و التثقيل به وقع و لأن حذف الأولى لحن لأنها دلالة الرفع و على هذا يحمل قول الشاعر:

{أ بالموت الذي لا بد أني --- ملاق لا أباك تخوفيني}

و فتح الياء من تأمروني و إسكانها جميعا سائغ حسن.

المعنى

لما أخبر الله سبحانه عن حال الكفار عقبه بذكر حال الأتقياء الأبرار فقال «و ينجي الله الذين اتقوا» معاصيه خوفا من عقابه «بمفازتهم» أي بمنجاتهم من النار و أصل المفازة المنجاة و بذلك سميت المفازة على وجه التفاؤل بالنجاة منها كما سموا اللديغ سليما «لا يمسهم السوء» أي لا يصيبهم المكروه و الشدة «و لا هم يحزنون» على ما فاتهم من لذات الدنيا و لما ذكر الوعد و الوعيد بين سبحانه أنه القادر على كل شيء بقوله «الله خالق كل شيء» أي محدث كل شيء و مبدعه «و هو على كل شيء وكيل»

أي حافظ مدبر «له مقاليد السماوات و الأرض» واحدها مقليد و مقلاد يريد مفاتيح السماوات و الأرض بالرزق و الرحمة عن ابن عباس و قتادة و قيل خزائن السماوات و الأرض يفتح الرزق على من يشاء و يغلقه عمن يشاء عن الضحاك «و الذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون» لأنهم يخسرون الجنة و نعيمها و يصلون النار و سعيرها ثم أعلم سبحانه أنه المعبود لا معبود سواه بقوله «قل» يا محمد لهؤلاء الكفار «أ فغير الله تأمروني أعبد» أي أ تأمرونني أن أعبد غير الله «أيها الجاهلون» فيما تأمرونني به إذ تأمرون بعبادة من لا يسمع و لا يبصر و لا ينفع و لا يضر ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) «و لقد أوحي إليك» يا محمد «و إلى الذين من قبلك» من الأنبياء و الرسل «لئن أشركت ليحبطن عملك و لتكونن من الخاسرين» قال ابن عباس هذا أدب عن الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) و تهديد لغيره لأن الله تعالى قد عصمه من الشرك و مداهنة الكفار و ليس في هذا ما يدل على صحة القول بالإحباط على ما يذهب إليه أهل الوعيد لأن المعنى فيه أن من أشرك في عبادة الله غيره من الأصنام و غيرها وقعت عبادته على وجه لا يستحق عليها الثواب به و لذلك وصفها بأنها محبطة إذ لو كانت العبادة خالصة لوجه الله تعالى لاستحق عليها الثواب ثم أمر سبحانه بالتوحيد فقال «بل الله فاعبد» أي وجه عبادتك إليه تعالى وحده دون الأصنام «و كن من الشاكرين» الذين يشكرون الله على نعمه و يخلصون العبادة له قال الزجاج الله منصوب بقوله «فاعبد» في قول البصريين و الكوفيين و الفاء جاءت على معنى المجازاة و المعنى قد تبينت فاعبد الله.