۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الزمر، آية ٦٠

التفسير يعرض الآيات ٥٦ إلى ٦٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ ٥٦ أَوۡ تَقُولَ لَوۡ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٥٧ أَوۡ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلۡعَذَابَ لَوۡ أَنَّ لِي كَرَّةٗ فَأَكُونَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٨ بَلَىٰ قَدۡ جَآءَتۡكَ ءَايَٰتِي فَكَذَّبۡتَ بِهَا وَٱسۡتَكۡبَرۡتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٩ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسۡوَدَّةٌۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡمُتَكَبِّرِينَ ٦٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَحَسرَتى عَلى مَا فَرّطت فى جَنبِ اللّهِ وَ إِن كُنت لَمِنَ السخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنّ اللّهَ هَدَاخ لَكنت مِنَ الْمُتّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَاب لَوْ أَنّ لى كرّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلى قَدْ جَاءَتْك ءَايَتى فَكَذّبْت بهَا وَ استَكْبرْت وَ كُنت مِنَ الْكَفِرِينَ (59) وَ يَوْمَ الْقِيَمَةِ تَرَى الّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللّهِ وُجُوهُهُم مّسوَدّةٌ أَ لَيْس فى جَهَنّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبرِينَ (60)

القراءة

قرأ أبو جعفر يا حسرتاي بياء مفتوحة بعد الألف و الباقون «يا حسرتا» بغير ياء.

الحجة

قال ابن جني في قوله يا حسرتاي إشكال و ذلك أن الألف في حسرتا إنما هي بدل من يا حسرتي أبدلت الياء ألفا هربا إلى خفة الألف من ثقل الياء قال و الذي عندي فيه أنه جمع بين العوض و المعوض عنه كمذهب أبي إسحاق و أبي بكر في قول الفرزدق:

{هما نفثا في في من فمويهما --- على النابح العاوي أشد رجام}

فجمع بين الميم و الواو و إنما الميم بدل من الواو و مثله ما أنشده أبو زيد:

{إني إذا ما حدث ألما --- أقول يا اللهم يا اللهما}

فجمع بين ياء و ميم و إنما الميم عوض من ياء.

اللغة

التفريط إهمال ما يجب أن يتقدم فيه حتى يفوت وقته و مثله التقصير و ضده الأخذ بالحزم يقال فلان حازم و فلان مفرط و التحسر الاغتمام مما فأت وقته لانحساره عنه بما لا يمكنه استدراكه و مثله التأسف و أصل الباب الانقطاع يقال انحسرت الدابة أي انقطع سيرها كلالا و الجنب العضو المعروف و الجنب أيضا معظم الشيء و أكثره يقال هذا قليل في جنب مودتك و يقال ما فعلت في جنب حاجتي أي في أمره قال كثير:

{أ لا تتقين الله في جنب عاشق --- له كبد حري عليك تقطع}

الإعراب

«بلى قد جاءتك» جواب قوله «أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين» لأن معناه ما هداني فقيل لها بلى قد جاءتك آياتي لأن بلى جواب النفي و ليس في الظاهر نفي فيحمل على المعنى.

«وجوههم مسودة» مبتدأ و خبر و الجملة في موضع نصب على الحال و استغني عن الواو لمكان الضمير و يجوز في غير القرآن وجوههم بالنصب على البدل من «الذين كذبوا» أي ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة بالنصب و مثل النصب قول عدي بن زيد:

{دعيني إن أمرك لن يطاعا --- و ما ألفيتني حلمي مضاعا}

المعنى

لما أمر الله سبحانه باتباع الطاعات و اجتناب المقبحات تحذيرا من نزول العقوبات بين الغرض في ذلك بقوله «أن تقول نفس» أي خوف أن تقول أو حذرا من أن تقول و المعنى كراهة أن تصيروا إلى حال تقولون فيها «يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله» أي يا ندامتي على ما ضيعت من ثواب الله عن ابن عباس و قيل قصرت في أمر الله عن مجاهد و السدي و قيل في طاعة الله عن الحسن قال الفراء الجنب القرب أي في قرب الله و جواره يقال فلان يعيش في جنب فلان أي في قربه و جواره و منه قوله تعالى و الصاحب بالجنب فيكون المعنى على هذا القول على ما فرطت في طلب جنب الله أي في طلب جواره و قربه و هو الجنة و قال الزجاج أي فرطت في الطريق الذي هو طريق الله فيكون الجنب بمعنى الجانب أي قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله و روى العياشي بالإسناد عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال نحن جنب الله «و إن كنت لمن الساخرين» أي و إني كنت لمن المستهزءين بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و القرآن و بالمؤمنين في دار الدنيا عن قتادة و السدي و قيل من الساخرين ممن يدعوني إلى الإيمان «أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين» أي فعلنا ذلك كراهة أن تقول لو أراد الله هدايتي لكنت ممن يتقي معاصيه خوفا من عقابه و قيل إنهم لما لم ينظروا في الأدلة و أعرضوا عن القرآن و اشتغلوا بالدنيا و الأباطيل توهموا أن الله تعالى لم يهدهم فقالوا ذلك بالظن و لهذا رد الله عليهم بقوله «بلى قد جاءتك آياتي» الآية و قيل معناه لو أن الله هداني إلى النجاة بأن يردني إلى حال التكليف لكنت ممن يتقي المعاصي عن الجبائي قال لأنهم يضطرون يوم القيامة إلى العلم بأن الله قد هداهم «أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين» أي لو أن لي رجعة إلى الدنيا فأكون من الموحدين المطيعين ثم قال سبحانه منكرا على هذا القائل «بلى» أي ليس كما قلت «قد جاءتك آياتي» أي حججي و دلالاتي «فكذبت بها» و أنفت من اتباعها و ذلك قوله «و استكبرت و كنت من الكافرين» بها و إنما قال جاءتك و إن كانت النفس مؤنثة لأن المراد بالنفس هنا الإنسان و روي في الشواذ عن عاصم و الجحدري و يحيى بن يعمر بكسر الكاف و التاءات «بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها و استكبرت و كنت من الكافرين» «و يوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله» فزعموا أن له شريكا و ولدا «وجوههم مسودة أ ليس في جهنم مثوى للمتكبرين» الذين تكبروا عن الإيمان بالله هذا استفهام تقرير أي فيها مثواهم و مقامهم و روى العياشي بإسناده عن خيثمة قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول من حدث عنا بحديث فنحن سائلوه عنه يوما فإن صدق علينا فإنما يصدق على الله و على رسوله و إن كذب علينا فإنما

يكذب على الله و على رسوله لأنا إذا حدثنا لا نقول قال فلان و قال فلان إنما نقول قال الله و قال رسوله ثم تلا هذه الآية «و يوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله» الآية ثم أشار خيثمة إلى أذنيه فقال صمتا إن لم أكن سمعته و عن سودة بن كليب قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن هذه الآية فقال كل إمام انتحل إمامة ليست له من الله قلت و إن كان علويا قال (عليه السلام) و إن كان علويا قلت و إن كان فاطميا قال و إن كان فاطميا.