۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة السجدة، آية ١٦

التفسير يعرض الآيات ١٦ إلى ٢٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ١٦ فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٧ أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ ١٨ أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٩ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمۡ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

تَتَجَافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِع يَدْعُونَ رَبهُمْ خَوْفاً وَ طمَعاً وَ مِمّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ (16) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مّا أُخْفِىَ لهَُم مِّن قُرّةِ أَعْينٍ جَزَاءَ بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ (17) أَ فَمَن كانَ مُؤْمِناً كَمَن كانَ فَاسِقاً لا يَستَوُنَ (18) أَمّا الّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ فَلَهُمْ جَنّت الْمَأْوَى نُزُلا بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَ أَمّا الّذِينَ فَسقُوا فَمَأْوَاهُمُ النّارُ كلّمَا أَرَادُوا أَن يخْرُجُوا مِنهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَ قِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَاب النّارِ الّذِى كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (20)

القراءة

قرأ حمزة و يعقوب ما أخفي لهم ساكنة الياء و الباقون بفتحها و روي في الشواذ عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و أبي هريرة و أبي الدرداء و ابن مسعود قرأت أعين.

الحجة

قال أبو علي الذي يقوي بناء الفعل للمفعول به قوله «فلهم جنات المأوى نزلا» فأبهم ذلك كما أبهم قوله «أخفي لهم» و لم يسند إلى فاعل بعينه و لو كان أخفي لكان أعطاهم جنات المأوى و يقوي قراءة حمزة إن أخفى مثل آتينا كل نفس هديها و قوله «حق القول مني» و قوله «مما رزقناهم ينفقون» و أما ما في قوله «ما أخفي» فالأبين فيه أن يكون استفهاما و هو عندي قياس قول الخليل فمن قال أخفي كان ما عنده مرفوعا بالابتداء و الذكر الذي في أخفي يعود إليه و الجملة التي هي ما أخفي في موضع نصب و يعلم هو الذي يتعدى إلى مفعولين كما أن قوله «إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء» كذلك و من قال ما أخفي لهم فإن ما في موضع نصب بأخفي و الجملة في موضع نصب بيعلم كما كان في الأول كذلك و مثله قوله «فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار» و «سوف يعلمون من يأتيه عذاب يخزيه» و ما أشبه ذلك يحمل فيه العلم على التعدي إلى مفعولين و من بعده للاستفهام و أما قوله قرأت أعين فإن القرة مصدر و كان القياس أن لا يجمع

لأن المصدر اسم الجنس و الأجناس أبعد شيء من الجمعية لكن جعلت القرة نوعا هاهنا فجمع كما يقال نحن في أشغال و لنا علوم.

اللغة

التجافي تعاطي الارتفاع عن الشيء و مثله النمو يقال جفا عنه يجفو جفاء و تجافى عنه تجافيا إذا نبأ عنه قال الشاعر:

{و صاحبي ذات هباب دمشق --- و ابن ملاط متجاف أرفق{

و المضجع موضع الاضطجاع و قال عبد الله بن رواحة يصف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):

{يبيت يجافي جنبه عن فراشه --- إذا استثقلت بالمشركين المضاجع}

الإعراب

«خوفا و طمعا» مفعول له كما يقال فعلت ذلك مخافة الشر قال الزجاج و حقيقته أنه في موضع المصدر لأن يدعون ربهم هنا يدل على أنهم يخافون عذابه و يرجعون رحمته فهو في تأويل يخافون خوفا و يطمعون طمعا و قوله «جزاء» منصوب أيضا بأنه مفعول له «لا يستوون» جواب الاستفهام أي لا يكون كذلك و الواو الثانية في يستوون فاعل من وجه مفعول من وجه لأن المعنى لا يساوي هؤلاء أولئك و لا أولئك هؤلاء و لو قال لا يستويان لكان جائزا و لكنه جاء على معنى لا يستوي المؤمنون و الكافرون و يجوز أن يكون «لا يستوون» للاثنين لأن معنى الاثنين جماعة.

نزلا نصب على الحال و العامل فيه ما يتعلق به اللام من لهم.

كلما ظرف زمان لأعيدوا.

المعنى

ثم وصف سبحانه المؤمنين المذكورين في الآية المتقدمة فقال «تتجافى جنوبهم عن المضاجع» أي ترتفع جنوبهم عن مواضع اضطجاعهم لصلاة الليل و هم المتهجدون بالليل الذين يقومون عن فرشهم للصلاة عن الحسن و مجاهد و عطا و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) و روى الواحدي بالإسناد عن معاذ بن جبل قال بينما نحن مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة تبوك و قد أصابنا الحر فتفرق القوم فإذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أقربهم مني فدنوت منه فقلت يا رسول الله أنبئني بعمل يدخلني الجنة و يباعدني من النار قال لقد سألت عن عظيم و إنه ليسير على من يسره الله عليه تعبد الله و لا تشرك به شيئا و تقيم الصلاة المكتوبة

و تؤدي الزكاة المفروضة و تصوم شهر رمضان قال و إن شئت أنبأتك بأبواب الخير قال قلت أجل يا رسول الله قال الصوم جنة و الصدقة تكفر الخطيئة و قيام الرجل في جوف الليل يبتغي وجه الله ثم قرأ هذه الآية «تتجافى جنوبهم عن المضاجع» و بالإسناد عن بلال قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم و إن قيام الليل قربة إلى الله و منهاة عن الإثم و تكفير للسيئات و مطردة الداء عن الجسد و قيل هم الذين لا ينامون حتى يصلوا العشاء الآخرة قال أنس نزلت فينا معاشر الأنصار كنا نصلي المغرب فلا ترجع إلى رحلنا حتى نصلي العشاء الآخرة مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قيل هم الذين يصلون ما بين المغرب و العشاء الآخرة و هي صلاة الأوابين عن قتادة و قيل هم الذين يصلون العشاء و الفجر في جماعة «يدعون ربهم خوفا» من عذاب الله «و طمعا» في رحمة الله «و مما رزقناهم ينفقون» في طاعة الله و سبيل ثوابه و وجه المدح في هذه الآية أن هؤلاء المؤمنين يقطعهم اشتغالهم بالصلاة و الدعاء عن طيب المضجع لانقطاعهم إلى الله تعالى فأمالهم مصروفة إليه و اتكالهم في كل الأمور عليه ثم ذكر سبحانه جزاءهم فقال «فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين» أي لا يعلم أحد ما خبىء لهؤلاء الذين ذكروا مما تقربه أعينهم قال ابن عباس هذا ما لا تفسير له فالأمر أعظم و أجل مما يعرف تفسيره و قد ورد في الصحيح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال أن الله يقول أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر بله ما أطلعتكم عليه اقرءوا إن شئتم «فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين» رواه البخاري و مسلم جميعا و قد قيل في فائدة الإخفاء وجوه ( أحدها ) أن الشيء إذا عظم خطره و جل قدره لا تستدرك صفاته على كنهه إلا بشرح طويل و مع ذلك فيكون إبهامه أبلغ ( و ثانيها ) أن قرة العيون غير متناهية فلا يمكن إحاطة العلم بتفاصيلها ( و ثالثها ) أنه جعل ذلك في مقابلة صلاة الليل و هي خفية فكذلك ما بإزائها من جزائها و يؤيد ذلك ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال ما من حسنة إلا و لها ثواب مبين في القرآن إلا صلاة الليل فإن الله عز اسمه لم يبين ثوابها لعظم خطرها قال «فلا تعلم نفس» الآية و قرة العين رؤية ما تقر به العين يقال أقر الله عينك أي صادف فؤادك ما يرضيك فتقر عينك حتى لا تطمح بالنظر إلى ما فوقه و قيل هي من القر أي البرد لأن المستبشر الضاحك يخرج من شؤون عينيه دمع بارد و المحزون المهموم يخرج من عينيه دمع حار و منه قولهم سخنت عينه و هو قرير العين و سخين العين و إنما أضاف القرة إلى الأعين

على الإطلاق لا إلى أعينهم تنبيها على أنها غاية في الحسن و الكمال فتقر بها كل عين «جزاء بما كانوا يعملون» من الطاعات في دار الدنيا «أ فمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا» هذا استفهام يراد به التقرير أي أ يكون من هو مصدق بالله على الحقيقة عارفا بالله و بأنبيائه عاملا بما أوجبه الله عليه و ندبه إليه مثل من هو فاسق خارج عن طاعة الله مرتكب لمعاصي الله ثم قال «لا يستوون» لأن منزلة المؤمن درجات الجنان و منزلة الفاسق دركات النيران ثم فسر ذلك بقوله «أما الذين آمنوا و عملوا الصالحات فلهم جنات المأوى» يأوون إليها «نزلا بما كانوا يعملون» أي عطاء بما كانوا يعملون عن الحسن و قيل ينزلهم الله فيها نزلا كما ينزل الضيف يعني أنهم في حكم الأضياف «و أما الذين فسقوا فمأويهم» الذي يأوون إليه «النار» نعوذ بالله منها «كلما أرادوا أن يخرجوا منها» أي كلما هموا بالخروج منها لما يلحقهم من ألم العذاب «أعيدوا» أي ردوا «فيها» و قد مر بيانه في سورة الحج «و قيل لهم» مع ذلك «ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون» أي لا تصدقون به و تجحدونه و في هذا دلالة على أن المراد بالفاسق هنا الكافر المكذب قال ابن أبي ليلى نزل قوله «أ فمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا» الآيات في علي بن أبي طالب (عليه السلام) و رجل من قريش و قال غيره نزلت في علي بن أبي طالب (عليه السلام) و الوليد بن عقبة فالمؤمن علي و الفاسق الوليد و ذلك أنه قال لعلي (عليه السلام) أنا أبسط منك لسانا و أحد منك سنانا فقال علي (عليه السلام) ليس كما تقول يا فاسق قال قتادة لا و الله ما استووا لا في الدنيا و لا عند الموت و لا في الآخرة.