۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الروم، آية ٤٤

التفسير يعرض الآيات ٤١ إلى ٤٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤١ قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلُۚ كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّشۡرِكِينَ ٤٢ فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ ٱلۡقَيِّمِ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۖ يَوۡمَئِذٖ يَصَّدَّعُونَ ٤٣ مَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِأَنفُسِهِمۡ يَمۡهَدُونَ ٤٤ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

ظهَرَ الْفَسادُ فى الْبرِّ وَ الْبَحْرِ بِمَا كَسبَت أَيْدِى النّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْض الّذِى عَمِلُوا لَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) قُلْ سِيرُوا فى الأَرْضِ فَانظرُوا كَيْف كانَ عَقِبَةُ الّذِينَ مِن قَبْلُ كانَ أَكثرُهُم مّشرِكِينَ (42) فَأَقِمْ وَجْهَك لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتىَ يَوْمٌ لا مَرَدّ لَهُ مِنَ اللّهِ يَوْمَئذٍ يَصدّعُونَ (43) مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَ مَنْ عَمِلَ صلِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِى الّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ مِن فَضلِهِ إِنّهُ لا يحِب الْكَفِرِينَ (45)

اللغة

الصدع الشق و تصدع القوم تفرقوا قال:

{و كنا كندماني جذيمة حقبة --- من الدهر حتى قيل لن يتصدعا}

المعنى

ثم ذكر سبحانه ما أصاب الخلق بسبب ترك التوحيد فقال «ظهر الفساد في البر و البحر» و معناه ظهر قحط المطر و قلة النبات في البر حيث لا يجري نهر و هو البوادي و البحر و هو كل قرية على شاطىء نهر عظيم «بما كسبت أيدي الناس» يعني كفار مكة عن ابن عباس و ليس المراد بالبر و البحر في الآية كل بر و بحر في الدنيا و إنما المراد به حيث ظهر القحط بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فعلى هذا يكون التقدير ظهر عقوبة الفساد في البر و البحر قال الفراء أجدب البر و انقطعت مادة البحر بذنوبهم و كان ذلك ليذوقوا الشدة في العاجل و يجوز أيضا أن يسمى الهلاك و الخراب فسادا كما يسمى العذاب سوءا و إن كان ذلك حكمة و عدلا و قيل البر ظهر الأرض و البحر المعروف و الفساد ارتكاب المعاصي عن أبي العالية و قيل فساد البر قتل قابيل بن آدم أخاه و فساد البحر أخذ السفينة غصبا عن مجاهد و قيل ولاة السوء في البر و البحر و قيل فساد البر ما يحصل فيه من المخاوف المانعة من سلوكه و يكون ذلك بخذلان الله تعالى لأهله و العقاب به و فساد البحر اضطراب أمره حتى لا يكون للعباد متصرف فيه و كل ذلك ليرتدع الخلق عن معاصيه و قيل البر البرية و البحر الريف و المواضع الخطبة و أصل البر من البر لأنه يبر بصلاح المقام فيه و كذلك البر لأنه يبر بصلاحه في الغذاء أتم صلاح و أصل البحر الشق لأنه شق في الأرض ثم كثر فسمي الماء الملح بحرا أنشد ثعلب:

{و قد عاد عذب الماء بحرا فزادني --- على مرضي أن أبحر المشرب العذب}

«بما كسبت أيدي الناس» أي جزاء بما عمله الناس من الكفر و الفسوق و قيل معناه بسوء أفعالهم و شؤم معاصيهم «ليذيقهم بعض الذي عملوا» أي ليصيبهم الله بعقوبة بعض أعمالهم التي عملوها من المعاصي «لعلهم يرجعون» أي ليرجعوا عنها في المستقبل و قيل معناه ليرجع من يأتي بعدهم عن المعاصي «قل» يا محمد «سيروا في الأرض» ليس بأمر و لكنه مبالغة في العظة و روي عن ابن عباس أنه قال من قرأ القرآن و عمله سار في الأرض لأن فيه أخبار الأمم «فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل» من الملوك العاتية و القرون العاصية كيف أهلكهم الله و كيف صارت قصورهم قبورهم و محاضرهم مقابرهم فلم يبق لهم عين و لا أثر ثم بين أنه فعل ذلك بهم لسوء صنيعهم فقال «كان أكثرهم مشركين فأقم وجهك للدين القيم» أي استقم للدين المستقيم بصاحبه إلى الجنة أي لا تعدل عنه يمينا و لا شمالا فإنك متى فعلت ذلك أداك إلى الجنة و هو مثل قوله ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم و قوله تتقلب فيه القلوب و الأبصار «من قبل أن يأتي يوم لا مرد له» أي لذلك اليوم و هو يوم القيامة «من الله» أي لا يرده أحد من الله «يومئذ يصدعون» أي يتفرقون فيه فريق في الجنة و فريق في السعير عن قتادة و غيره «من كفر فعليه كفره» أي عقوبة كفره لا يعاقب أحد بذنبه «و من عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون» أي يوطئون لأنفسهم منازلهم يقال مهدت لنفسي خيرا أي هيأته و وطأته و المعنى أن ثواب ذلك يصل إليهم و يتمهد أحوالهم الحسنة عند الله و هذا توسع يقول من أصلح عمله فكأنه فرش لنفسه في القبر و القيامة و سوى مضجعه و مثواه و روي منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إن العمل الصالح ليسبق صاحبه إلى الجنة فيمهد له كما يمهد لأحدكم خادمه فراشه «ليجزي الذين آمنوا و عملوا الصالحات من فضله» أي ليجزيهم على قدر استحقاقهم و يزيدهم من فضله و قيل معناه بسبب فضله لأنه خلقه و هداه و مكنه و أزاح علته حتى استحق الثواب و قيل من فضله يعني فضلا من فضله و ثوابا لا ينقطع «إنه لا يحب الكافرين» أي لا يريد كرامتهم و منفعتهم و إنما يريد عقابهم جزاء على كفرهم.