۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الكهف، آية ٥٣

التفسير يعرض الآيات ٥٣ إلى ٥٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَرَءَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمۡ يَجِدُواْ عَنۡهَا مَصۡرِفٗا ٥٣ وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا ٥٤ وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّهُمۡ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ قُبُلٗا ٥٥ وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۚ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّۖ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنذِرُواْ هُزُوٗا ٥٦

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ رَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظنُّوا أَنهُم مُّوَاقِعُوهَا وَ لَمْ يجِدُوا عَنهَا مَصرِفاً(53) وَ لَقَدْ صرَّفْنَا فى هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كلّ‏ِ مَثَلٍ وَ كانَ الانسنُ أَكثرَ شىْ‏ءٍ جَدَلاً(54) وَ مَا مَنَعَ النَّاس أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَ يَستَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلا أَن تَأْتِيهُمْ سنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيهُمُ الْعَذَاب قُبُلاً(55) وَ مَا نُرْسِلُ الْمُرْسلِينَ إِلا مُبَشرِينَ وَ مُنذِرِينَ وَ يجَدِلُ الَّذِينَ كفَرُوا بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضوا بِهِ الحَْقَّ وَ اتخَذُوا ءَايَتى وَ مَا أُنذِرُوا هُزُواً(56)

القراءة

قرأ أهل الكوفة « قبلا » بضمتين و الباقون قبلا.

الحجة

قد ذكرنا الوجه في سورة الأنعام.

اللغة

المواقعة ملابسة الشي‏ء بشدة و منه وقائع الحروب و أوقع به إيقاعا و التوقع الترقب لوقوع الشي‏ء و المصرف المعدل قال أبو كثير:

{أ زهير هل عن شيبة من مصرف --- أم لا خلود لباذل متكلف}

و التصريف تنقيل المعنى في الجهات المختلفة و الإدحاض الإذهاب بالشي‏ء إلى الهلاك و مكان دحض أي مزلق مزل لا يثبت عليه خف و لا حافر و لا قدم قال:

و حاد كما حاد البعير عن الدحض.

الإعراب

« أن يؤمنوا » في موضع نصب و المعنى ما منع الناس من الإيمان إلا طلب أن يأتيهم فيكون أن يأتيهم في موضع رفع « و ما أنذروا » في موضع نصب عطفا على « آياتي » و « هزوا » هو المفعول الثاني لاتخذوا.

المعنى

ثم بين سبحانه حال المجرمين فقال « و رأى المجرمون النار » يعني

المشركين رأوا النار و هي تتلظى حنقا عليهم عن ابن عباس و قيل هو عام في أصحاب الكبائر « فظنوا أنهم مواقعوها » أي علموا أنهم داخلون فيها واقعون في عذابها « و لم يجدوا عنها مصرفا » أي معدلا و موضعا ينصرفون إليه ليتخلصوا منها « و لقد صرفنا » أي بينا « في هذا القرآن للناس من كل مثل » و تصريفها ترديدها من نوع واحد و أنواع مختلفة ليتفكروا فيها و قد مر تفسيره في بني إسرائيل « و كان الإنسان أكثر شي‏ء جدلا » يريد بالإنسان النضر بن الحارث عن ابن عباس و يريد أبي بن خلف عن الكلبي و قال الزجاج: معناه و كان الكافر يدل عليه قوله و يجادل الذين كفروا بالباطل « و ما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى و يستغفروا ربهم » معناه ما منعهم من الإيمان بعد مجي‏ء الدلالة و من أن يستغفروا ربهم على ما سبق من معاصيهم « إلا أن تأتيهم سنة الأولين » أي إلا طلب أن تأتيهم العادة في الأولين من عذاب الاستئصال حيث آتاهم العذاب من حيث لا يشعرون حين امتنعوا من قبول الهدى و الإيمان « أو يأتيهم العذاب قبلا » أو طلب أن يأتيهم العذاب عيانا مقابلة من حيث يرونه و تأويله أنهم بامتناعهم من الإيمان بمنزلة من يطلب هذا حتى يؤمنوا كرها لأنهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم و هذا كما يقول القائل لغيره ما منعك أن تقبل قولي إلا أن تضرب على أن المشركين قد طلبوا مثل ذلك فقالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم و من قرأ قبلا فهو في معنى الأول و يجوز أن يكون أيضا جمع قبيل و هو الجماعة أي يأتيهم العذاب ضروبا من كل جهة ثم بين سبحانه أنه قد أزاح العلة و أظهر الحجة و أوضح المحجة فقال « و ما نرسل المرسلين إلا مبشرين و منذرين » أي لم نرسل الرسل إلى الخلق إلا مبشرين لهم بالجنة إذا أطاعوا أو مخوفين لهم بالنار إذا عصوا « و يجادل الذين كفروا بالباطل » أي و يناظر الكفار دفعا عن مذاهبهم بالباطل « ليدحضوا به الحق » أي ليزيلوا الحق عن قراره قال ابن عباس: يريد المستهزءين و المقتسمين و أتباعهم و جدالهم بالباطل أنهم ألزموه أن يأتي بالآيات على أهوائهم على ما كانوا يقترحونه ليبطلوا به ما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يقال أدحضت حجته أي أبطلتها « و اتخذوا آياتي » يعني القرآن « و ما أنذروا » أي ما تخوفوا به من البعث و النار « هزوا » مهزوا به استهزءوا به.