۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الكهف، آية ٥٢

التفسير يعرض الآيات ٥٠ إلى ٥٢

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلٗا ٥٠ ۞ مَّآ أَشۡهَدتُّهُمۡ خَلۡقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّينَ عَضُدٗا ٥١ وَيَوۡمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُم مَّوۡبِقٗا ٥٢

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ إِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئكَةِ اسجُدُوا لاَدَمَ فَسجَدُوا إِلا إِبْلِيس كانَ مِنَ الْجِنّ‏ِ فَفَسقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونى وَ هُمْ لَكُمْ عَدُوُّ بِئْس لِلظلِمِينَ بَدَلاً(50) مَّا أَشهَدتهُمْ خَلْقَ السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَ مَا كُنت مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضداً(51) وَ يَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شرَكاءِى الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَستَجِيبُوا لهَُمْ وَ جَعَلْنَا بَيْنهُم مَّوْبِقاً(52)

القراءة

قرأ أبو جعفر ما أشهدناهم بالنون على التعظيم و الباقون « ما أشهدتهم » بالتاء و قرأ حمزة و يوم نقول بالنون و الباقون بالياء.

الحجة

من قرأ نقول بالنون حمله على ما تقدم في المعنى فكما أن كنت للمتكلم فكذلك نقول و من قرأ بالياء فحجته أن الكلام قد انقضى فالمعنى و يوم يقول الله نادوا شركائي و هذا يقوي القراءة بالياء لأنه لو كانت بالنون لكان الأشبه أن يقول نادوا شركاءنا.

اللغة

الفسق الخروج إلى حال تضر يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها

و فسقت الفأرة إذا خرجت من حجرها قال رؤبة:

{يهوين في نجد و غورا غائرا --- فواسقا عن قصدها جوائرا}

قال أبو عبيدة: هذه التسمية لم نسمعها في شي‏ء من أشعار الجاهلية و لا أحاديثها و إنما تكلم بها العرب بعد نزول القرآن و قال المبرد: الأمر على ما ذكره أبو عبيدة و هي كلمة فصيحة على ألسنة العرب و قال قطرب « فسق عن أمر ربه » أي عن رد أمر ربه كقولهم كسوته عن عري و أطعمته عن جوع و العضد ما بين المرفق إلى الكتف و فيه خمس لغات عضد و عضد و عضد و عضد و عضد و عضدت فلانا أعنته و فلان عضدي استعارة و اعتضد به أي استعان.

قال ثعلب: كل شي‏ء حال بين شيئين فهو موبق من وبق يبق وبوقا إذا هلك و حكى الزجاج وبق الرجل يوبق وبقا.

الإعراب

« بئس للظالمين بدلا » اسم بئس مضمر فسر بقوله « بدلا » و قوله « للظالمين » فصل بين بئس و بين ما انتصب على التمييز و التقدير بئس البدل للظالمين ذرية إبليس فذرية إبليس هو المخصص بالذم عن أبي علي الفارسي.

المعنى

ثم أمر سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يذكر هؤلاء المتكبرين عن مجالسة الفقراء قصة إبليس و ما أورثه الكبر فقال « و إذ قلنا » أي و اذكر يا محمد إذ قلنا « للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس » قد مر تفسيره فيما تقدم و إنما تقرر هذا القول في القرآن لأجل ما بعده مما يحتاج اتصاله به فهو كالمعنى الذي يفيد أمرا في مواضع كثيرة للإخبار عنه بأخبار مختلفة و قوله « كان من الجن » من قال إن إبليس لم يكن من الملائكة استدل بهذا لأن الجن غير الملائكة كما أنهم غير الإنس و من قال إنه كان من الملائكة قال إن المعنى كان من الذين يستترون عن الأبصار مأخوذ من الجن و هو الستر و قيل كان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجن كانوا خزان الجنان فأضيفوا إليها كقولك كوفي بصري و ضعف الأولون هذين الوجهين لأن لفظ الجن إذا أطلق فالمفهوم منه هذا الجنس المعروف لا الملائكة « ففسق عن أمر ربه » أي خرج عن طاعة ربه ثم خاطب الله سبحانه المشركين فقال « أ فتتخذونه و ذريته أولياء من دوني و هم لكم عدو » معناه أ فتتبعون أمر إبليس و أمر ذريته و تتخذونهم أولياء تتولونهم بالطاعة من دوني و هم جميعا أعداء لكم و العاقل حقيق بأن يتهم عدوه على نفسه و هذا استفهام بمعنى الإنكار و التوبيخ قال مجاهد: ذريته الشياطين و قال الحسن: الجن من ذريته « بئس للظالمين بدلا » تقديره بئس البدل للظالمين بدلا و معناه بئس ما استبدلوا بعبادة

ربهم إذا أطاعوا إبليس عن الحسن و قيل بئس البدل طاعة الشيطان عن طاعة الرحمن عن قتادة « ما أشهدتهم خلق السماوات و الأرض و لا خلق أنفسهم » أي ما أحضرت إبليس و ذريته خلق السماوات و الأرض و لا خلق أنفسهم مستعينا بهم على ذلك و لا استعنت ببعضهم على خلق بعض و هذا إخبار عن كمال قدرته و استغنائه عن الأنصار و الأعوان و يدل عليه قوله « و ما كنت متخذ المضلين عضدا » أي الشياطين الذين يضلون الناس أعوانا يعضدونني عليه و كثيرا ما يستعمل العضد بمعنى العون و إنما وحده هنا لوفاق الفواصل و قيل إن معنى الآية أنكم اتبعتم الشيطان كما يتبع من يكون عنده علم لا ينال إلا من جهته و إنا ما أطلعتهم على خلق السماوات و الأرض و لا على خلق أنفسهم و لم أعطهم العلم بأنه كيف تخلق الأشياء فمن أين تتبعونهم و قيل معناه ما أحضرت مشركي العرب و هؤلاء الكفار خلق السماوات و الأرض و لا خلق أنفسهم أي و ما أحضرت بعضهم خلق بعض بل لم يكونوا موجودين فخلقتهم فمن أين قالوا إن الملائكة بنات الله و من أين ادعوا ذلك « و يوم يقول » يريد يوم القيامة يقول الله للمشركين و عبدة الأصنام « نادوا شركائي الذين زعمتم » في الدنيا أنهم شركائي ليدفعوا عنكم العذاب « فدعوهم » يعني المشركين يدعون أولئك الشركاء الذين عبدوهم مع الله « فلم يستجيبوا لهم » أي فلا يستجيبون لهم و لا ينفعونهم شيئا « و جعلنا بينهم » أي بين المؤمنين و الكافرين « موبقا » و هو اسم واد عميق فرق الله به سبحانه بين أهل الهدى و أهل الضلالة عن مجاهد و قتادة و قيل بين المعبودين و عبدتهم موبقا أي حاجزا عن ابن الأعرابي أي فأدخلنا من كانوا يزعمون أنهم معبودهم مثل الملائكة و المسيح و الجنة و أدخلنا الكفار النار و قيل معناه جعلنا تواصلهم في الدنيا موبقا أي مهلكا لهم في الآخرة عن الفراء و روي ذلك عن قتادة و ابن عباس فالبين على هذا القول معناه التواصل و المعنى أن تواصلهم و توادهم في الكفر صار سبب هلاكهم في الآخرة و قيل موبقا عداوة عن الحسن فكأنه قال عداوة مهلكة و روي عن أنس بن مالك أنه قال الموبق واد في جهنم من قيح و دم.

النظم

وجه اتصال قوله « ما أشهدتهم خلق السماوات و الأرض » بما قبله أنه يتصل اتصال الحجة التي تكشف حيرة الشبهة لأنه بمنزلة أن يقال إنكم قد أقبلتم على اتباع إبليس و ذريته و تركتم أمر الله تعالى مع كثرة الحجج و لو أشهدتهم خلق السماوات و الأرض لم يزيدوا على ما فعلتم من اتباعهم و قيل إنه سبحانه بين بذلك أنه المتفرد بالخلق و الاختراع لا شريك له فيه فلا ينبغي أن تشركوا معه في العبادة غيره أو تدعوا غيره إلها.