۞ التبيان في تفسير القرآن

سورة النبأ، آية ١٤

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ ١ عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلۡعَظِيمِ ٢ ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ مُخۡتَلِفُونَ ٣ كـَلَّا سَيَعۡلَمُونَ ٤ ثُمَّ كـَلَّا سَيَعۡلَمُونَ ٥ أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ مِهَٰدٗا ٦ وَٱلۡجِبَالَ أَوۡتَادٗا ٧ وَخَلَقۡنَٰكُمۡ أَزۡوَٰجٗا ٨ وَجَعَلۡنَا نَوۡمَكُمۡ سُبَاتٗا ٩ وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا ١٠ وَجَعَلۡنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشٗا ١١ وَبَنَيۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعٗا شِدَادٗا ١٢ وَجَعَلۡنَا سِرَاجٗا وَهَّاجٗا ١٣ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡمُعۡصِرَٰتِ مَآءٗ ثَجَّاجٗا ١٤ لِّنُخۡرِجَ بِهِۦ حَبّٗا وَنَبَاتٗا ١٥ وَجَنَّٰتٍ أَلۡفَافًا ١٦

۞ التفسير

التبيان في تفسير القرآن

مكية في قول ابن عباس والضحاك وهي أربعون آية في الكوفي والمدنيين واحدى وأربعون في البصري

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءلُونَ، عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ، الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ، كَلَّا سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ، أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا، وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا، وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا، وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا، وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا، وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا، وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا، وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا، وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا، لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا، وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾

القراءة:

وقف يعقوب على (عم) بالهاء، الباقون بلا هاء وقرأ ابن عامر (كلا ستعلمون) بالتاء على الخطاب فيهما أي قل لهم ستعلمون عاقبة أمركم الباقون - بالياء - على الغيبة، وهو الأقوى لقوله (عم يتساءلون) وقوله (الذي هم فيه مختلفون) ولم يقل أنتم، وإن كانت التاء جائزة لان العرب تنتقل من غيبة إلى خطاب، ومن خطاب إلى غيبة. قيل في سبب نزول هذه الآية: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا حدث قريشا وعرفهم أخبار الأمم السالفة ووعظهم كانوا يهزؤن بذلك، فنهاه الله تعالى أن يحدثهم فقال (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزء) إلى قوله (حتى يخوضوا في حديث غيره) ( 1 ) فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يحدث أصحابه فإذا أقبل واحد من المشركين أمسك فاجتمعوا على بكرة أبيهم وقالوا: والله يا محمد إن حديثك عجب، وكنا نشتهي أن نسمع كلامك وحديثك، فقال إن رب نهاني أن أحدثكم، فأنزل الله تعالى (عم يتساءلون عن النبأ العظيم) وقوله (عم يتساءلون) أصله عن ما، فحذفت الألف لاتصالها بحرف الجر حتى صارت كالجزء منه لتدل على شدة الاتصال مع تخفيف المركب في الكلام، فحذف حرف الاعتلال وأدغمت النون في الميم لقربها منها من غير أخلال، وصورته صورة الاستفهام والمراد تفخيم القصة والانكار والتهديد. وقوله (يتساءلون) معناه عن ماذا يسأل بعضهم بعضا، فالتساؤل سؤال أحد النفيسين للاخر، تساءلا تساؤلا وسأله مسألة، والسؤال طلب الاخبار بصيغة مخصوصة في الكلام، وكل ما يزجر العقل عنه بما فيه من الداعي إلى الفساد لا يجوز السؤال عنه كسؤال الجدل لدفع الحق ونصرة الباطل، وكالسؤال الذي يقتضي فاحش الجواب، لأنه كالأمر بالقبيح. والنبأ معناه الخبر العظيم الشأن كمعنى الخبر عن التوحيد في صفة الاله وصفة الرسول، والخبر عما يجوز عليه وما لا يجوز. وقال مجاهد: النبأ العظيم الشأن القرآن، وقال قتادة وابن زيد: هو السؤال عن البعث بعد الموت، لأنهم كانوا يجمعون على التكذيب بالقرآن (الذي هم فيه مختلفون) قال قتادة: معناه الذي هم فيه بين مصدق ومكذب، فقال الله سبحانه مهدد الهم ومتوعدا (كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون) ومعنى (كلا) ردع وزجر، كأنه قال ارتدعوا وانزجروا ليس الامر كما ظننتم. وقال قوم: معناه حقا سيعلمون عاقبة أمرهم وعائد الوبال عليهم. وقال الضحاك: معناه كلا سيعلم الكفار عاقبة تكذيبهم، وسيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم. وقال قوم: كلا سيعلمون ما ينالهم يوم القيامة من العذاب، ثم كلا سيعلمون ما ينالهم في جهنم من العذاب، فلا يكون تكرارا. والاختلاف ذهاب كل واحد من النفيسين إلى نقيض ما ذهب إليه الاخر، يقال: اختلفا في المعنى فذهب أحدهما إلى كذا، وذهب الاخر إلى كذا. ثم نبههم على وجه الاستدلال على صحة ذلك فقال (ألم نجعل الأرض مهادا) أي وطاء، وهو القرار المهيأ للتصرف فيه من غير أذية. وقال قتادة: للهاد البساط ومهد الأرض تمهيدا مثل وطأه توطئة، لان ذلك لا يقدر عليه غير الله، لأنه الذي يسكن الأرض حالا بعد حال حتى يمكن الاستقرار عليها والتصرف فيها (والجبال أوتادا) أي وجعلنا الجبال أوتادا للأرض لئلا تميد بهم، فالجبال جمع جبل، وهو بغلظه وثقله يبلغ أن يكون ممسكا للأرض عن أن تميد بثقله، فعلى ذلك دبره الله، وذكر العباد به وما فيه من العبرة بعظمة من يقدر عليه. والوتد المسمار إلا أنه أغلظ منه، لذلك يقال: مسامير العناء إذا دقت كالمسمار من الحديد في القوة والدقة، ولو غلظت صارت أوتادا فكذلك وصفت الجبال بأنها أوتاد للأرض إذ جعلت بغلظها ممسكة لها عن أن تميد باهلها. وقوله (وجعلناكم أزواجا) أي اشكالا كل واحد يشاكل الاخر. وقيل: معناه ذكرا وأنثى حتى يصح منكم التناسل. وقوله (وجعلنا نومكم سباتا) أي نعاسا في أوله تطلب النفس الراحة به. وقيل: معناه جعلنا نومكم راحة. وقيل: معناه جعلنا نومكم طويلا ممتدا تعظم به راحة أبدانكم ويكثر به انتفاعكم، ومنه سبت من الدهر أي مدة طويلة منه. وقال أبو عبيدة: معناه جعلنا نومكم سباتا ليس بموت، ورجل مسبوت فيه روح، والسبات قطع العمل للراحة، ومنه سبت أنفه إذا قطعه، ومنه يوم السبت أي يوم قطع العمل للراحة على ما جرت به العادة في شرع موسى، وصار علما على اليوم الذي بعد الجمعة بلا فصل. وقوله (وجعلنا الليل لباسا) فاللباس غطاء ساتر مماس لما ستر، فالليل ساتر للاشخاص بظلمته مماس لها بجسمه الذي فيه الظلمة قال الشاعر:

فلما لبسن الليل أوجن نصبت * له من حذا آذانها وهي جنح ( 2 )

(وجعلنا النهار معاشا) أي متصرفا للعيش والعيش الانعاش الذي تبقى معه الحياة على حال الصحة عاش يعيش عيشا والنهار اتساع الضياء المنبث في الآفاق وأصله من انهر الدم إذا وسع مجراه، ومنه النهر وهو المجرى الواسع من مجاري الماء، ومنه الانتهار الاتساع في الاغلاظ، وفى خلق النهار تمكين من التصرف للمعاش وفي ذلك أعظم النعمة وأكبر الاحسان. وقوله (وبنينا فوقكم سبعا شدادا) يعني سبع سماوات. والبناء جعل الطاق الاعلى على الأدنى، فالسماء مبنية كهيئة القبة مزينة بالكواكب المضيئة، فسبحان الذي زينها وخلقها وبناها على هذه الصفة لعباده. وإنما جعلها سبع سماوات لما في ذلك من الاعتبار للملائكة، ولما في تصور الطبقات من عظم القدرة، وهول تلك الأمور، وما فيه من تمكين البناء حتى وقفت سماء فوق سماء، فسبحان من يمسكها بما هو قادر عليها ومدبر لها. وقوله (وجعلنا سراجا وهاجا) يعني الشمس جعلها الله سراجا للعالم يستضيئون به، فالنعمة عامة لجميع الخلق. والوهاج الوقاد، وهو المشتعل بالنور العظيم وقال مجاهد وقتادة: يعني وهاجا متلألئا. وقوله (وأنزلنا من المعصرات) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني الرياح، كأنها تعصر السحاب. وقيل هي السحاب تتحلب بالمطر. وقوله (ماء ثجاجا) فالثجاج الدفاع في انصبابه كثج دماء البدن، يقال ثججت دمه أثجه ثجا، وقد ثج الدم يثج ثجوجا (لنخرج به حبا ونباتا) أي نخرج بذلك الماء حبا وهو كل ما تضمنه الزرع الذي يحصد. والنبات الكلأ من الحشيش والزرع (وجنات الفافا) أي بساتين ملتفة بالشجر يخرجها الله تعالى لعباده بالمطر. وإنما قال (جنات) لان الشجر يجنها أي يسترها و (الالفاف) الاخلاط المتداخلة يدور بعضها على بعض واحدها (لف) يقال: شجر ملتف وأشجار ملتفة. والمعاني الملففة المتداخلة باستتار بعضها ببعض حتى لا تبين إلا في خفى. وقيل: واحده لف ولفف. وقيل: في واحده شجرة لفا، وشجر لف. وقال مجاهد وقتادة وابن عباس: ألفافا ملتفة. والتقدير فيه ويخرج به شجر جنات الفافا ملتفة إلا أنه حذف لدلالة الكلام عليه.

1 - سورة 4 النساء آية 139 وقريب منه في سورة 6 الانعام آية 68.

2 - الطبري 30 / 3.