۞ التبيان في تفسير القرآن

سورة غافر، آية ٦٠

التفسير يعرض الآيات ٥٦ إلى ٦٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡ إِن فِي صُدُورِهِمۡ إِلَّا كِبۡرٞ مَّا هُم بِبَٰلِغِيهِۚ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ٥٦ لَخَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَكۡبَرُ مِنۡ خَلۡقِ ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٧ وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَلَا ٱلۡمُسِيٓءُۚ قَلِيلٗا مَّا تَتَذَكَّرُونَ ٥٨ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ ٥٩ وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ٦٠

۞ التفسير

التبيان في تفسير القرآن

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ، إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ، وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾

خمس آيات. وست في المدني الأخير. قرأ أهل الكوفة " تتذكرون " بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على الاخبار عنهم. وقرأ أبو جعفر وابن كثير ورويس ويحيى والبرجمي وابن غالب " سيدخلون " بضم الياء. على ما لم يسم فاعله. الباقون بفتح الياء على اسناد الفعل إليهم. يقول الله تعالى " ان الذين يجادلون " أي يخاصمون " في " رفع " آيات الله " وابطالها " بغير سلطان " أي بغير حجة " اتاهم " أعطاهم الله إياها يتسلط بها على إنكار مذهب يخالف مذهبهم " إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه " أي ليس في صدورهم إلا كبر. قال مجاهد: معناه الا عظمة وجبرية ما هم ببالغي تلك العظمة، لان الله تعالى مذلهم. وقيل: معناه إلا كبر بحسدك على النبوة التي أكرمك الله بها (ما هم ببالغيه) لان الله يرفع بها من يشاء. وقيل، منعا إلا كبر ما هم ببالغي مقتضاه ولا نالوه لان الكبر إنما يعمله صاحبه لمقتضى ان يعظم حاله، وهؤلاء يصير حالهم إلى الاذلال والتحقير بكفرهم فلا يبلغون ما في صدورهم من مقتضي كبرهم. وقيل: الآية نزلت في اليهود وان الكبر الذي ليس هم ببالغيه توقعهم امر الدجال، فاعلم الله تعالى ان هذه الفرقة التي تجادل ألا تبلغ خروج الدجال. فلذلك قال تعالى " فاستعذ بالله " ثم امر نبيه بأن يستعيذ بالله من شر هؤلاء المخاصمين " انه هو السميع البصير " ومعناه انه يسمع ما يقول هؤلاء الذين يخاصمون في دفع آيات الله بصير بما يضمرونه وفي ذلك تهديد لهم في ما يقدمون عليه. وقيل: فيه وعدله بكفاية شرهم. ثم قال تعالى " لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس " معناه إن خلق السماوات والأرض على ما هما عليه من العظم والثقل مع وقوفهما من غير عمد وجريان الفلك والكواكب من غير سبب أعظم في النفس وأهول في الصدر من خلق الناس، وإن كان عظيما لما فيه من الحياة والحواس المهيأة لأنواع مختلفة من الادراكات إلا أن امر السماوات والأرض خارج عن مقتضى الطبيعة، أو أن يكون فاعلهما وخالقهما يجرى مجرى العباد في الجسمية، فهو أكبر شأنا من هذه الجهة " من لكن أكثر الناس لا يعلمون " لعدولهم عن الفكر فيه والاستدلال على صحته وإدخال الشبهة على نفوسهم فيه، وذكر كبر خلق السماوات والأرض وما هو خارج عن الطبيعة حجة على المشركين في انكار النشأة الثانية مما هو خارج عن عادة الولادة. ثم قال " وما يستوي الأعمى والبصير " أي لا يتساوى من عمي عن طريق الرشد والصواب فلم يهتد إليها، والبصير الذي أبصرها واهتدى إليها " والذين آمنوا وعملوا الصالحات. ولا المسيئ " أي ولا يتساوى أيضا الذين آمنوا بالله تعالى وعملوا الصالحات من الاعمال والذين أساؤا وظلموا نفوسهم بارتكاب المعاصي. ثم قال " قليلا ما تتذكرون " أي ما أقل ما تتفكرون في ذلك. والوقف على قوله " قليلا ". وقوله " ما تتذكرون " يجوز أن تكون (ما) صلة ويجوز أن تكون بمعنى المصدر وتقديره قليلا ما تذكركم. ومن قرأ بالتاء أراد قل لهم وخاطبهم به. ومن قرأ بالياء فعلى وجه الاخبار عنهم بذلك. ثم اخبر " إن الساعة " يعني القيامة (آتية لا ريب فيها) أي جائية واقعة لا شك في مجيئها (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) أي لا يصدقون بذلك لجهلهم بالله وشكهم في اخباره. ثم قال " وقال ربكم ادعوني استجب لكم " يعني استجب لكم إذا اقتضت المصلحة اجابتكم. ومن يدعو الله ويسأله فلا بد أن يشترط المصلحة إما لفظا أو اضمارا، وإلا كان قبيحا، لأنه إذا دعا بما يكون فيه مفسدة ولا يشترط انتفاؤها كان قبيحا. ثم قال تعالى مخبرا (إن الذين يستكبرون عن عبادتي) أي من يتكبر، ويتعظم عن إخلاص العبادة لله تعالى (سيدخلون جهنم داخرين) من ضم الياء ذهب إلى انهم تدخلهم الملائكة كرها ومن فتح الياء قال: لأنهم إذا دخلوا فقد دخلوا، فأضاف الفعل إليهم. ومعنى (يستكبرون عن عبادتي) أي عن دعائي بالخضوع لي. وقال السدي (داخرين) معناه صاغرين.