قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً﴾
هذا خطاب من الله تعالى لأهل الكتاب الذي هو الإنجيل وهم النصارى نهاهم الله (تعالى) ان يغلوا في دينهم بان يجاوزوا الحق فيه، ويفرطوا في دينهم، ولا يقولوا في عيسى غير الحق، فان قولهم في عيسى انه ابن الله قول بغير الحق، لأنه (تعالى) لم يتخذ ولدا فيكون عيسى أو غيره من خلقه ابنا له، ونهاهم ان يقولوا على الله. الا الحق، وهو الاقرار بتوحيده، وانه لا شريك له ولا صاحبة ولا ولد. واصل الغلو في كل شئ تجاوز حده يقال: غلا فلان الدين يغلو غلوا. وغلا بالجارية عظمها ولحمها: إذا انسرعت الشباب، وتجاوزت لذاتها. يغلو بها غلوا وغلاء قال الحارث بن خالد المخزومي:
خمصانة فلق موشحها * رود الشباب غلابها عظم ( 1 )
وقوله: إنما المسيح عيسى بن مريم، فأصل المسيح المموح - نقل من مفعول إلى فعيل. سماه الله بذلك لتطهيره إياه من الذنوب، وقيل مسح من الذنوب والأدناس التي تكون في الآدميين كما يمسح الشئ من الأذى الذي يكون فيه. وهو قول مجاهد. وقال أبو عبيدة: هذه الكلمة عبرانية أو سريانية مشيحا، فعربت فقيل المسيح، كما عرب سائر أسماء الأنبياء في القرآن، نحو إسماعيل وإسحاق وموسى وعيسى. وقال قوم ليس هذا مثل ذلك، لان إسماعيل وإسحاق وما أشبههما أسماء، لا صفات. والمسيح صفة ولا يجوز ان يخطب العرب وغيرها من أجناس الخلق في صفة شئ إلا بما يفهم، فعلم بذلك انها كلمة عربية وقال إبراهيم: المسيح المسيح الصديق واما المسيح الدجال فإنه أيضا بمعنى الممسوح العين صرف من مفعول إلى فعيل فمعنى المسيح في عيسى (ع) الممسوح البدن من الأدناس والآثام. ومعنى المسيح في الدجال الممسوح العين اليمنى أو اليسرى كما يروى عن النبي صلى الله عليه وآله في ذلك، وقوله: رسول الله اخباره منه (تعالى) ان المسيح أرسله الله وجعله نبيا. وقوله: (كلمته ألقاها إلى مريم) فإنه يعني بالكلمة الرسالة التي امر الله ملائكته أن يأتي بها بشارة من الله (تعالى) لها التي ذكرت في قوله: " قالت الملائكة يا مريم ان الله يبشرك بكلمة منه " يعني برسالة منه وبشارة من عنده وقال قتادة والحسن: هو قوله: " كن فكان " واختار الطبري الأول وقال الجبائي: ذلك مجاز، وإنما أراد بالكلمة انهم يهتدون بعيسى، كما يهتدون بكلامه. وكذلك يحبون به في دينهم كما يحيى الحي بالروح، فلذلك سماه روحا. وقوله: " ألقاها إلى مريم " فمعناه أعلمها بها وأخبرها كما يقال ألقيت إليك كلمة حسنة بمعنى أخبرتك بها. وقال الجبائي: معنى ألقاها إلى مريم خلقه في رحمها. وقوله: " وروح منه " اختلفوا فيه على ستة أقوال: فقال، قوم: معناه ونفحة منه وسماء روحا، لأنه حدث عن نفحة جبرائيل في درع مريم بأمر الله له بذلك، ونسب إلى الله، لأنه كان بأمره. وإنما سمي النفخ روحا، لأنها ريح تخرج من الروح. واستشهدوا على ذلك قول ذي الرمة - واسمه غيلان - في صفة نار نفثها:
فلما بدت كفنتها وهي طفلة * بطلساء لم تكمل ذراعا ولا شبرا.
وقلت له: ارفعها إليك واحيها * بروحك واقتتها لها قيتة قدرا
وظاهر لها من يابس الشخت، واستعن * عليها الصبا واجعل يديك لها سترا ( 2 ).
1 - ديوانه. واللسان (روح) يصف نارا طلساء خرقة اقتتها..: (نفخ بها برفق) الشحت: الدقيق من كل شئ.
2 - سورة الكهف، آية 23.
3 - ساقطة من المطبوعة.