قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ، وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ، إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَارًا، قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا﴾
القراءة:
قرأ أبو عمرو وحده " يجزى " بضم الياء على ما لم يسم فاعله. الباقون. بالنون على وجه الاخبار من الله عن نفسه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص " على بينة " بالتوحيد لقوله " قد جاءكم بينة من ربكم " ( 1 ) الباقون " بينات " على الجمع، لأنها مكتوبة في المصاحف بالألف والتاء، والبينة والبينات القرآن، وفي قوله " حتى تأتيهم البينة رسول من الله " ( 2 ) وهو محمد صلى الله عليه وآله. ويقال: بان الشئ وأبان إذا تبين، فهو باين ومبين، وأبنته أنا وبينته لا غير والبينة وزنها (فيعلة) فاجتمع ياءان فأدغم إحداهما في الأخرى. لما اخبر الله تعالى عن أحوال أهل الآخرة وما أعده لأهل الجنة من أنواع الثواب أخبر - ههنا - عن حال الكفار وما أعده لهم من أليم العقاب فقال " والذين كفروا " بوحدانية الله وجحدوا نبوة نبيه " لهم نار جهنم " عقوبة لهم على كفرهم يعذبون فيها " لا يقضى عليهم فيموتوا " أي لا يحكم عليهم بالموت فيموتوا فيستريحوا، يقال قضى فلان إذا مات " ولا يخفف عنهم من عذابها " معناه ولا ييسر عليهم عذاب النار ولا يسهل عليهم ومثل هذا العذاب ونظيره " كذلك نجزى كل كفور " جاحد لوحدانيته تعالى ومكذب لأنبيائه. ثم اخبر تعالى عن حال من هو في النار فقال " وهم يصطرخون فيها " أي يتصايحون بالاستغاثة، فالاصطراخ الصياح والنداء بالاستغاثة، وهو افتعال من الصراخ قلبت التاء طاء لأجل الصاد الساكنة قبلها، وإنما فعل ذلك لتعديل الحروف بحرف وسط بين حرفين يوافق الصاد بالاستعلاء والاطباق ويوافق التاء بالمخرج. ويقولون " ربنا أخرجنا " من عذاب النار " نعمل صالحا " يعني نعمل بالطاعات والاعمال الصالحات التي أمرنا بها " غير الذي كنا نعمل " من المعاصي، فيقول الله لهم - في جوابه تبكيتا لهم وإنكارا عليهم " أو لم نعمركم " في دار الدنيا. وقال ابن عباس، ومسروق: العمر الذي ذكره الله أربعون سنة، وفي رواية أخرى ستون سنة، وهو قول علي عليه السلام " ما يتذكر فيه من تذكر " أي عمرناكم مقدار ما يمكن أن يتذكر ويعتبر وينظر ويفكر من يريد أن يتفكر ويتذكر " وجاءكم النذير " يعني المخوف من معاصي الله، قال ابن زيد: يعني به محمدا صلى الله عليه وآله وقال غيره: أراد الشيب. وقيل: الحمى " فذوقوا " معاشر الكفار عقاب كفركم ومعاصيكم " فما للظالمين من نصير " اي ليس لمن ظلم - وبخس نفسه حقها بارتكاب المعاصي - ناصر يدفع عنه العذاب. ثم اخبر تعالى بأنه " عالم غيب السماوات والأرض " لا يخفى عليه شئ مما غاب عن جميع الخلائق علمه " إنه عليم بذات الصدور " ومعناه اتقوا واحذروا أن تضمروا في أنفسكم ما يكرهه الله تعالى، فإنه عليم بما في الصدور لا يخفى عليه شئ منها. وقوله " هو الذي جعلكم خلائف في الأرض " معناه جعلكم معاشر الكفار أمة بعد أمة وقرنا بعد قرن. وهو قول قتادة " فمن كفر " أي جحد وحدانيته وأنكر نبوة نبيه صلى الله عليه وآله " فعليه " عقاب " كفره " دون غيره " ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا " أي لا يزيدهم كفرهم بالله عند الله إلا أشد البغض لان المقت أشد البغض " ولا يزيد الكافرين " أيضا " كفرهم إلا خسارا " لأنهم يخسرون الجنة ويحصل لهم النار بدلا منها " وذلك هو الخسران المبين " ثم قال موبخا لهم " قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله " قيل: معناه ادعوا شركاءكم في الأموال التي جعلتم لها قسطا من السائبة والوصيلة والانعام والحر ث، وهي الأوثان. وقيل: شركاءكم الذين أشركتموهم في العبادة مع الله " أروني ماذا خلقوا من الأرض " معناه أي شئ اخترعوه وانشؤه فيدخل عليكم بذلك شبهة " أم لهم شرك في السماوات؟" أي لهم شركة في خلق السماوات؟على وجه المعاونة لله؟﴿ أم آتيناهم كتابا ﴾؟أي أعطيناهم كتابا أمرناهم فيه بما يفعلونه ﴿ فهم على بينة منه ﴾ اي من ذلك الكتاب، فان جميع ذلك محال لا يمكنهم ادعاء شئ من ذلك، ولا إقامة حجة ولا شبهة عليه ﴿ بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا ﴾ ومعناه ليس شئ من ذلك لكم، ليس يعد الظالمون أنفسهم بعضهم بعضا إلا غرورا يغترون به وزورا يتعدون به، يقال: غره يغره غرورا إذا أطمعه في ما لا يطمع فيه. فان قيل: الآية تدل أن الله سبحانه ينفرد بالخلق دون العباد، لأنه بين أن من تهيأ له الخلق فهو إله. قلنا: هذا كقوله ﴿ ألهم أرجل يمشون بها؟أم لهم أيد يبطشون بها ﴾ ( 3 ) فكما لا يدل على أن من كان له يد أو رجل يكون إلها، فكذلك لا يجب أن يكون من يخلق يكون إلها على أنه بين المراد بالخلق، فقال ﴿ ماذا خلقوا من الأرض ﴾ لا يقدر على خلق الأرض ولا على شئ منه إلا الله تعالى على أنا لا نطلق اسم خالق إلا على الله، ونقيده في الواحد منا.
1 - سورة 6 الانعام آية 157.
2 - سورة 98 البينة آية 2.
3 - سورة 7 الأعراف آية 194.