۞ التبيان في تفسير القرآن

سورة النحل، آية ١٧

التفسير يعرض الآيات ١٧ إلى ١٨

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

أَفَمَن يَخۡلُقُ كَمَن لَّا يَخۡلُقُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ١٧ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٨

۞ التفسير

التبيان في تفسير القرآن

قوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

في هذه الآية رد على عباد الأصنام والأوثان بأن يقال: أفمن يخلق ما تقدم ذكره من السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم وغير ذلك من أنواع العجائب، كمن لا يخلق ذلك من الصنام التي هي جمادات، فكيف توجه العبادة إليها، ويسوى بينها، وبين خالق جميع ذلك، " أفلا يتفكرون " في ذلك ويعتبرون به، فان ذلك من الخطأ الفاحش. وجعل (من) فيما لا يعقل، لما اتصلت بذكر الخالق. ويتعلق بهذه الآية المجبرة، فقالوا: أعلمنا الله تعالى ان أحدا لا يخلق، لأنه خلاف الخالق، وانه لو كان خالق غيره لوجب أن يكون مثله، ونظيره. وهذا باطل، لان الخلق في حقيقة اللغة هو التقدير والاتقان في الصنعة وفعل الشئ لا على وجه السهو والمجازفة بدلالة قوله " وتخلقون إفكا " ( 1 ) وقوله " وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير " ( 2 ) وقوله " أحسن الخالقين " ( 3 ) كما لا يجوز أنه أعظم الآلهة لما لم يستحق الآلهية غيره، وقال زهير:

ولانت تفري ما خلقت وبعض * القوم يخلق ثم لا يفري ( 4 )

وقال الججاج: لا أعد إلا وفيت ولا أخلق إلا فريت ( 5 ) وقال الشاعر:

ولا يئط بأيدي الخالقين ولا * أيدي الخوالق الاجبد الادم

فعلمنا بذلك جواز تسمية غيره بأنه خالق إلا انا لا نطلق هذه الصفة إلا لله تعالى، لان ذلك توهم، فإذا ثبت ذلك فالوجه في الآية ما قدمنا ذكره من الرد على عباد الأصنام والجمادات التي لا تقدر على ضرر ولا نفع ولا خلق شئ ولا استطاعة لها على فعل، وان من سوى بينها وبين من خلق ما تقدم ذكره من أنواع النعم وأشرك بينهما في العبادة، كان جاهلا بعيدا عن الصواب عادلا عن طريق الهدى. ويقوي ذلك أنه قال عقيب هذه الآية، " والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير احياء " فعلمنا انه أراد بذلك ما ما قدمنا من اسقاط رأيهم وتسويتهم بين الجماد والحي والفاعل ومن ليس بفاعل، وهذا واضح. وقوله " وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها " قال الحسن: لا تحصوها بأداء حقها وتعظيمها. وقال الجبائي: لا تحصوها مفصلة لكثرتها وإن صح منكم احصاؤها على وجه الجملة.

1 - سورة المائدة اية 113.

2 - سورة المؤمنون آية 14 وسورة الصافات آية 125.

3 - ديوانه 29 (دار بيروت) واللسان (فرا)، (خلق).

4 - وقد رواها ابن منظور في لسان العرب (خلق) قال: قال الحجاج: (ما خلقت إلا فريت ولا وعدت إلا وفيت).

5 - سورة المائدة اية 30.