قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ، لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ﴾
قوله " ذلك " إشارة إلى ما تقدم ذكره من العذاب العظيم. أخبر الله تعالى ان ذلك العذاب العظيم إنما أعده لهم، لأنهم آثروا الحياة الدنيا، والتلذذ فيها، والركون إليها على الآخرة، والمعنى انهم فعلوا ما فعلوه للدنيا طلبا لها دون طلب الآخرة. والعمل يجب أن يكون طلبا للآخرة، أو للدنيا والآخرة. فأما أن يكون لمجرد الدنيا دون الآخرة فلا يجوز، لأنه إذا طلب الدنيا ترك الواجب من الطاعات لا محالة، وكذلك لا ينبغي أن يختار المباح على النافلة لان النافلة طاعة لله. والمباح ليس بطاعة له. ثم أخبر تعالى " أن الله لا يهدي القوم الكافرين " ومعناه أحد شيئين:
أحدهما: إنه لا يهديهم إلى طريق الجنة والثواب، لكفرهم.
الثاني: إنه لا يحكم بهدايتهم لكونهم كفارا. وأما نصب الدلالة، فقد هدى الله جميع المكلفين، كما قال " وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى " ( 1 ) وقيل: إنهم لم يهتدوا بتلك الأدلة، فكأنها لم تكن نصبت لهم، ونصبت للمؤمنين الذين اهتدوا بها، فلذلك نفاها عنهم فكأنها لم تكن لهم، ويجوز أن يكون المراد انه لا يهديهم بهدى المؤمنين من فعل الألطاف والمدح بالاهتداء، لكونهم كفارا. ثم اخبر ان أولئك الكفار هم " الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وابصارهم وأولئك هم الغافلون " وبينا معنى الطبع على القلوب والسمع والابصار في سورة البقرة ( 2 ) وان ذلك سمة من الله جعلها للملائكة ليفرقوا بين الكافر والمؤمن، جزاء وعقوبة على كفرهم، وان ذلك غير محيل بينهم وبين اختيار الايمان لو أرادوه، وإنما وصفهم بعوم الغفلة مع الخواطر التي تزعجهم لامرين:
أحدهما: انهم بمنزلة الغافلين ذما لهم.
الثاني: لجهلهم عما يؤدي إليه حالهم، وان كانت الخواطر إلى النظر تزعجهم. وقوله " لا جرم انهم " معناه حق لهم " انهم في الآخرة هم الخاسرون " الذين خسروا صفقتهم لفوات الثواب وحصول العقاب وموضع (انهم) يحتمل أمرين من الاعراب:
أحدهما: النصب على معنى: لابد انهم اي لابد من ذا، ويجوز على جرم فعلهم أن لهم النار اي قطع بذا وتكون (لا) صلة.
الثاني: الرفع والمعنى وجب قطعا أن لهم النار و (لا) صلة أو رد لكلام من قال: ماذا لهم؟فقيل وجب لهم النار.
1 - في 1: 63 - 67. وفي 1: 90 من هذا الكتاب.
2 - سورة الأنعام آية 23.