۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة التوبة، آية ٩٤

التفسير يعرض الآية ٩٤

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يَعۡتَذِرُونَ إِلَيۡكُمۡ إِذَا رَجَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡۚ قُل لَّا تَعۡتَذِرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكُمۡ قَدۡ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنۡ أَخۡبَارِكُمۡۚ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٤

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

لنذكر طرفا يسيرا من هذه الغزوة «تبوك» من كراس «رسول الإسلام في المدينة» من السلسلة التي وضعناها في قادة الإسلام (1) : لما خرج الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من المدينة استعرض الجيش فكانوا ثلاثين ألفا ، فغمر الجيش الفرح لكثرة عددهم ، لكنهم عانوا في هذه السفرة أشد أنواع الجوع والعطش ، فالمضرة كبيرة ، والحر شديد ، والقلوب متعلقة بالمدينة ، إذ نضجت الثمار ، وحان قطفها ، والمركوب قليل ، حتى أن العشرة منهم كانوا يتناوبون في ركوب جمل واحد ، والطعام قليل جدا ، ففي بعض الأحيان كان نفران منهم يتقاسمان تمرة واحدة شق لهذا وشق لذاك ، وأصابهم أشد العطش فكانوا ينحرون إبلهم العزيزة ، لينقبوا كروشها ، ويشربوا ماءها ، أو يعتصروا فرثها ليشربوا عصيره ثم يجعل ما بقي على كبده ، حتى أن بعضهم رأى الموت بعينيه ، فطلبوا من النبي الاستسقاء ، فدعا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رافعا يديه إلى السماء. قال الراوي : فلم يرجعوا حتى هطلت السماء بمطر غزير. هذا بالإضافة إلى الإشاعات التي ملكت القلوب ـ وإن سارت بأجسامها مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ أنه لا بد وأن تقضي جيوش الروم الهائلة المنظمة على الجيش الإسلامي ، فلا يبقى منه أحد .. وسار الرسول حتى وصل «تبوك» وقد كان «هرقل» وزع رواتب سنة كاملة على جيشه ، كما وزع أموالا طائلة على القبائل التي استخدمها لقتال المسلمين ، وهم لخم وجذم وعاملة وغسان وغيرها ... وقد أتت الروم أنباء هائلة عن جيش المسلمين ، مما رأوا أن __________________ (1) للمؤلف. ____________________________________ من الصالح عدم دخولهم في قتال لا يعرف مصيره ، وقد كان الروم شاهدوا في حرب «مؤتة» قتال المسلمين ، فإذا لم يتمكن جيشهم ، وعدده «مائتا ألف» من جيش «مؤتة» الذي كان بقيادة جعفر عليه‌السلام وعدده «ثلاثة آلاف» فكيف يقاوم جيشهم جيش الإسلام كله وهم لا يعلمون عدده من الكثرة بقيادة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. ولذا قرروا انسحاب الجيش ، فانسحبوا قبل الاصطدام بجيش المسلمين. وصل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى «تبوك» فلم يلق جيشا ، فاستشار أصحابه في غزو بني الأصفر ـ أي الروم ـ والرجوع إلى المدينة؟ فأشاروا على الرسول بالرجوع ، فبقي الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هناك عشرين يوما ، وعقد الاتفاقيات مع الزعماء والقبائل ، فأرسل إلى أصحاب أيلة : «يوحنا بن روبة» بالإذعان للمسلمين أو الغزو؟ لكن «يوحنا» كان رجلا حكيما ، فاختار الإذعان ، وتم الاتفاق بإعطائه الجزية للدولة الإسلامية ، وعدم التعرض للدعوة الإسلامية ... وعقد الصلح بين المسلمين وبين أهل «جرباء» وهي قرية في منطقة «عمان» بالبلقاء ، من أراضي الشام ، على مثل المصالحة مع صاحب أيلة ... وعقد الصلح بين المسلمين وبين أهل «أذرح» قرية أخرى قريبة من الجرباء بمثل مصالحة الجرباء .. وتم الصلح بين المسلمين وبين «الأكيدر» ملك «دومة الجندل» على بذل الجزية وعدم التعرض للمسلمين. وانتظر الرسول جيوش الروم لكنها لم تزحف ، فأخذ الجيش الإسلامي طريقه إلى المدينة بعد ما أمن الحدود الشمالية ، وصارت له منعة وقوة ، وفتحت مجالات الإسلام في القلوب والمدن والقرى ، وإذا بالمدينة تشاهد غبار جيش الإسلام المنتصر على الإمبراطورية يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ ____________________________________ يبدو في الأفق البعيد ، ويقترب رويدا رويدا ، وإذا بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يزحف بهذه الجيوش المنتصرة في هيبة الرسالة السماوية ، ويلتقي الإمام بالرسول تلاقي الأخ بأخيه في فرح وسرور ، فقد كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد خلّف عليا في المدينة لئلّا يفسد المتخلفون الجو ، كما كانوا قد تآمروا ، وهناك قال له : «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» (1) ، ويجيء المتخلفون عن الجيش ، ليعتذروا عما تقدم منهم من تفريط ، ويطهروا آثامهم السالفة بالتوبة والندم (يَعْتَذِرُونَ) أي يعتذر المتخلفون من المنافقين الذين كان عددهم ثمانين ، وقد تخلفوا في المدينة خوفا ونفاقا ، وإرادة للتآمر على الرسول ، وقلب أوضاع المدينة (إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ) من غزوة «تبوك» بأعذار كاذبة باطلة لا حقيقة لها ولا واقع ، كما هو شأن المنافق في كل زمان (قُلْ) يا رسول الله لهم : (لا تَعْتَذِرُوا) فإن اعتذاركم لا يفيدكم ، فإنا (لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ) أي لن نصدقكم في ما تقولون (قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ) أخبرنا الله عز اسمه (مِنْ أَخْبارِكُمْ) وأعلمنا حقيقة أمركم ، وأنكم لم تخرجوا نفاقا وجبنا لا لعذر مشروع. وفي بعض التفاسير أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى المسلمين أن يكلموهم أو يجالسوهم ليذوقوا وبال أمرهم ، ولئلّا يتجرأ أحد على خرق أوامر __________________ (1) بحار الأنوار : ج 31 ص 366. وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94) سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ____________________________________ الله والرسول (1). (وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ) أي سينظران في المستقبل إلى أعمالكم الدالة على نفاقكم وعدم صحة أعذاركم ، فإن عمل الإنسان في المستقبل دليل على عمله في الماضي ، فعمله بعضه من بعض (ثُمَّ تُرَدُّونَ) أي ترجعون (إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) في الآخرة ، والمراد بذلك : التهديد ، وفي الآخرة سيحاسبكم الله على أعمالكم التي صدرت منكم ، كما يقول الحاكم للمجرم : «سترد إليّ» يريد تهديده بالعقاب (فَيُنَبِّئُكُمْ) أي يخبركم الله سبحانه (بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) فيجازيكم عليها.