۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة التوبة، آية ٤٠

التفسير يعرض الآية ٤٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٤٠

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

ثم بيّن سبحانه إمكانية نصر الرسول بدونهم ، بضرب مثل قريب ، وهو نصرته على الكفار في مكة حيث أرادوا قتله فأنجاه منهم وأعزه ، وأذلهم (إِلَّا تَنْصُرُوهُ) أي إن لم تنصروا الرسول في غزو الروم (فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ) من ذي قبل ، وهو قادر على نصره الآن (إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) من مكة ، ونسبة الإخراج إليهم لأنهم كانوا السبب حين أرادوا قتله ففر من أيديهم (ثانِيَ اثْنَيْنِ) فقد كان حين الفرار هو وأبو بكر ، إذ رآه في الطريق فأخذه كيلا يخبر الناس بخبره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيلحقه الطلب ، فإن من عادة الإنسان أن يفشي الأنباء الهامة ، وذكر «ثاني اثنين» لبيان أنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان بهذه الغربة حتى أنه لم يكن معه إلا نفر آخر. فالله القادر على نصره وهو بتلك الغربة والوحدة ، قادر على أن ينصره الآن. ولبيان ذلك جيء بالقيدين الآخرين (إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا ____________________________________ الْغارِ) «الغار» هو الثقب في الجبل (إِذْ يَقُولُ) الرسول (لِصاحِبِهِ) أبي بكر : (لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا) مطّلع علينا ، فالإنسان الفار اللاجئ إلى ثقب جبل لا أحد معه إلا شخص واحد يخشى ويخاف ويحزن فيزيده كآبة ، كيف نصره الله على أعدائه ، إن الله قادر على أن ينصره الآن كما نصره سابقا. وقد استدل بعض على فضيلة أبي بكر بهذه الآية ، لكن لا يخفى ما فيه ، فإنها لم تدل إلا على كونه أحد الشخصين ، وأنه صاحب ، وأنه حزن ، وأن الله معهما ، ولا دلالة في شيء من ذلك ، فإن الاثنين عدد «وثاني اثنين» حكاية العدد ، وليس فيما يقتضي الفضل يعد ، والصاحب يطلق على كل مصاحب (فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ) (1) ، والحزن لم يكن صحيحا وإلا لم ينهه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (2) ، والله سبحانه مع كل بر وفاجر (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ) (3) ، بل ربما قيل : إن الآية دلت على خلاف الفضيلة إذ قال سبحانه : «عليه» و «أيده» بينما قال في مكان آخر (عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (4). إن هذا البحث له موضع غير هذا الموضع ، وإنما المقصود الإشارة إلى عدم حسن أن يقحم في القرآن الحكيم ما ليس منه ثم جرّ الآيات إلى الأنظار والأفكار جرّا بدون دلالة أو برهان. فقد ورد الذم لمن فسّر القرآن برأيه. __________________ (1) الكهف : 35. (2) يونس : 63. (3) المجادلة : 8. (4) التوبة : 26. فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى ____________________________________ (فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ) أي على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أي ألقى في قلبه ما سكن به ، وعلم أنه سبحانه ينصره عليهم (وَأَيَّدَهُ) أي قوّى الرسول ونصره (بِجُنُودٍ) من الملائكة (لَمْ تَرَوْها) أي ما رأت الكفار إياها ، بمعنى عدم كونهم أجساما حتى يروا. ورد أنه كان رجل من خزاعة يقال له «أبو كرز» اقتفى مع المشركين أثر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى وقف بهم على الغار فقال لهم : هذه قدم محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هي والله أخت القدم التي في المقام ، وقال : هذه قدم محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هي والله أخت القدم التي في المقام ، وقال : هذه قدم أبي قحافة أو ابنه ما جاوزوا هذا المكان ، إما أن يكونوا قد صعدوا السماء أو دخلوا في الأرض. وجاء فارس من الملائكة في صورة الإنس فوقف على باب الغار وهو يقول لهم : اطلبوه في هذه الشعاب ، وكانت العنكبوت نسجت على باب الغار ، وأرسل الله زوجا من الحمام حتى باضا في أسفل الثقب فقال سراقة وكان مع الكفار : لو دخل الغار أحد لانكسر حتما البيض وتفسخ بيت العنكبوت. ودعا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قائلا : «اللهم أعم أبصارهم» فعميت أبصارهم عن دخوله وجعلوا يضربون يمينا وشمالا حول الغار ويئسوا أخيرا فرجعوا (1). (وَجَعَلَ) الله تعالى (كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا) وكيدهم للرسول وشوكتهم (السُّفْلى) إذ تحطمت وفشلت فكانت في الدرجة السفلى __________________ (1) مناقب آل أبي طالب : ج 1 127. وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41) ____________________________________ (وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا) المرتفعة المنصورة ، وهذا إخبار بأن كلمته وقوله دائما يكونان كذلك. ومن الواضح في التاريخ أن كلمة الله عالية وأنصارها الأعلون ، وإن كانت الغلبة لكلمة الكافرين ، حتى إن الناس لو كانت سيوفهم مع السلطات الباطلة كانت قلوبهم مع أهل الحق ورأوا أن الحق عندهم (وَاللهُ عَزِيزٌ) غالب (حَكِيمٌ) في تدبيره.