وفي سياق حكم الجهاد مع الأعراب يأتي دور الكلام حول جهاد الروم ، فإنه لما رجع رسول الله من الطائف أمر بالجهاد لغزو الروم ، وذلك في زمان إدراك الثمار فأحبوا المقام في مساكنهم وقريبا من أموالهم ، وشق عليهم الخروج إلى القتال ، وكان من عادته صلىاللهعليهوآلهوسلم أن يخفي الغزوة التي يريدها غالبا ، لئلّا يعرف العدو فيتخذ أهبته منها فيكثر القتلى ، ولذا كان إذا أراد الخروج نحو غزوة في الشمال ذهب مقدارا نحو الجنوب ثم انحنى صوب قصده إلا في هذه الغزوة حيث كانت الشقة بعيدة والعدو كثير ، فإنه صلىاللهعليهوآلهوسلم أخبر أصحابه بذلك ليتأهبوا ويأخذوا حذرهم ، وتسمى هذه الغزوة ب «تبوك» وقد بلغ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أن الروم قد جمعوا له أطراف الجزيرة بالشام وأن هرقل قد رزق أصحابه رزق سنة ، وانضمت إليهم لخم وجذم وعاملة وغسان من قبائل العرب وقدموا مقدماتهم إلى البقاء. فاستنفر المسلمين لجهادهم ، وهنا وجد المنافقون فرصتهم لإظهار نواياهم فأخذوا يخذلون المسلمين ، قائلين : «لا تنفروا في الحر» فقد كان الهواء حارا ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38) إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً ____________________________________ وقالوا : إن السفر بعيد ، فلا طاقة لنا به ، والعدو الروم فلا قبل لنا بهم ، إلى غير ذلك من الأعذار الواهية. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ) : أيّ نفع وفائدة تعود إليكم في التخلّف والعصيان؟ (إِذا قِيلَ لَكُمُ) قال لكم الرسول : (انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) اخرجوا إلى مجاهدة المشركين في «تبوك» وهي من بلاد البلقاء (اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) «اثاقل» من تثاقل ، من باب «التفاعل» أبدلت تاؤه ثاء ، على القاعدة المشهورة في تاء «التفاعل» و «التفعّل» ثم جيء بالهمزة لاستحالة الابتداء بالساكن. أي : ملتم إلى البقاء في الأرض ، وعدم الخروج ، كأن الجسم قد ثقل أزيد من وزنه العادي فكلما رفع جذبه ثقله نحو الأرض (أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ) الاستفهام إنكاري ، و «من» بمعنى البدل ، أي : هل رضيتم أيها المسلمون وآثرتم الحياة الفانية القريبة بدل الحياة الباقية الآخرة (فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ) بالنسبة إليها (إِلَّا قَلِيلٌ) فإن الدنيا قليلة ، والآخرة كثيرة ، فلا ترجّحوا القليل على الكثير ، وإذا تركتم الجهاد فاتتكم تلك المنافع الدائمة الخالدة.