لما بيّن سبحانه حرمة أشهر الحرم الأربعة ، ذكر ما كان يفعله الجاهليون حيث كانوا يؤخرون تحريم الشهر الحرام إلى صفر حيثما شاءوا ذلك ، فيحرمون صفر ويستحلون المحرم ، ثم إذا انقضت حاجتهم أرجعوا الحرام إلى المحرم ، وكان يقوم بذلك رجل من كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة ، وكان رئيس الموسم ، فيقول : أنا الذي لا أعاب ولا أجاب ولا يردّ لي قضاء. فيقولون : نعم صدقت ، أنسئنا شهرا أو أخّر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر ، وأحل المحرم. فيفعل ذلك ، فإنهم بذلك يريدون القتال في الحرم ، وهذا العمل يسمى إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ ____________________________________ «نسيئا» فإن «أنسأ» بمعنى أخّر ، و «النسيء» بمعنى تأخير الشهر الحرام عن وقته. (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ) فإن المشركين كانوا كفارا حسب عقائدهم حول الإله. واليوم الآخر فتحليل الحرام وتحريم الحلال ، زيادة في الكفر ، لأن التشريع لله وحده ، فمن شرع في قبال الله سبحانه فهو كافر (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) (1). ومن المعلوم أن الكفر والإيمان قابلان للزيادة والنقصان (يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي يضل بسبب هذا النسيء الكفار ، أما غير الكفار فإنهم لا يتبعون إلا شريعة الله سبحانه فلا ضلال لهم بالنسيء ، ومعنى «يضلّ» ـ بالبناء للمفعول ـ أن النسيء يسبب انحرافهم عن جادة الهدى (يُحِلُّونَهُ) أي يحلون الشهر الحرام (عاماً) في عام فيجعلون المحرم حلالا (وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً) فيمشون على الأصل في تحريم شهر محرم ، وذلك حين يحتاجون إلى القتال في المحرم يحلّلونه ، ويجعلون صفر بدله حراما ، وحين لا يحتاجون إلى القتال يكون المحرم على حاله في التحريم ، وإنما يقدمون الحرام ويؤخرونه (لِيُواطِؤُا) أي ليوافقوا ، يقال : «واطأ» في الشعر ، إذا قال بيتين على قافية واحدة ، ومثله «أوطأ» (عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ) أي ليكون تعداد الحرام بقدر __________________ (1) المائدة : 45. زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (37) ____________________________________ تعداد الحرام الذي جعله الله ، فإنهم لا يحلون الشهر الحرام ، إلا وجعلوا مكانه شهرا آخر حراما ، وهذان عصيانان : تحليل الحرام ، وتحريم الحلال (زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ) فقد زين الشيطان في نظرهم الأعمال السيئة فلازموها وافتخروا بها (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) الذين يصرّون على الكفر بعد تبيّن الحق ، فإنه سبحانه لا يلطف بهم لطفه الخاص.