۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة الأعراف، آية ١٧٣

التفسير يعرض الآية ١٧٣

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

أَوۡ تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أَشۡرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةٗ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ١٧٣

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

وحين انتهت قصص موسى عليه‌السلام مع قومه يبدأ السياق ليفتح قصصا جديدة حول التوحيد ، وإذ انتهى من الكلام السابق حول أخذ الله الميثاق من بني إسرائيل ، تأتي هنا قصة أخذ الله سبحانه الميثاق من البشر جميعا حول الوحدانية. وفي الآية قولان : الأول : ما روي أنه أخرج الله من ظهر آدم عليه‌السلام ذريته كالذّرّ يوم القيامة فخرجوا مثل الذر فعرّفهم نفسه وأراهم صنعه ، ولو لا ذلك لم يعرف أحد ربه فثبتت المعرفة ونسوا الموقف. الثاني : إن الآية جارية مجرى الكلام العرفي البلاغي على طريقة التمثيل. ومن المعلوم أن القول الأول لا مانع فيه إطلاقا ، فإن الله قادر وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ____________________________________ على كل شيء (وَ) اذكر يا رسول الله (إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ) أي أخرج من بني آدم (مِنْ ظُهُورِهِمْ) بدل من «من بني آدم» أي أخرج من أصلاب الرجال (ذُرِّيَّتَهُمْ) أولادهم وذراريهم (وَ) بعد ما أخرجهم وأكملهم (أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ) أي جعلهم شهداء على أنفسهم ، فإن من اعترف بشيء كان شهيدا على نفسه ، قائلا لهم : (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)؟ على نحو الاستفهام التقريري ، وقد كان ذلك بلسان الأنبياء ، كما في كثير من الآيات ، مثل : (وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ) (1) ، والمراد : القول لهم على لسان موسى عليه‌السلام (قالُوا بَلى) أنت ربنا. وهذا اعتراف بالفطرة ، فإن الفطرة أذعنت بذلك ، كما قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «كل مولود يولد على الفطرة إلا أن أبويه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» ومن قبيل ذلك (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها) (2) ، و (فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) (3) ، و (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (4) ، وأشباه ذلك مما هو كثير في القرآن ، وهو نوع من البلاغة ، كقول الشاعر : «أيا جبلي نعمان بالله خليا» ، وقوله : «أيا شجر الخابور ما لك مورقا» وقوله : |قال الحبيب وكيف لي بجوابكم | |وأنا رهين جنادل وتراب | | | | |

__________________ (1) الإسراء : 105. (2) الأحزاب : 73. (3) فصلت : 12. (4) النحل : 41. شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (172) ____________________________________ فإن الغالب أن يصوغ البليغ الكلام في قالب جذاب لبيان المراد. (شَهِدْنا) فالغرض من الآية أن الفطرة تشهد على توحيد الله سبحانه بما أودع فيها من درك الحقيقة وفهم الواقع. وإنما أودعنا في الفطرة هذه الشهادة ل (أَنْ) لا (تَقُولُوا) أيها البشر (يَوْمَ الْقِيامَةِ) حين يعاتب المشرك على شركه ، والجاحد على جحوده : (إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا) الأمر وهو التوحيد (غافِلِينَ) فقد أودعنا فيكم ما يزيل غفلتكم. لا يقال : فعل هذا يلزم صحة العقاب حتى بالنسبة إلى من لم تبلغه الدعوة؟ لأنه يقال : هو كذلك ، إلّا أن الله سبحانه بلطفه لا يعذب حتى يتمّ الحجة الظاهرة ، كما قال سبحانه : (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (1) ، وهذا التفسير للآية الكريمة إنما هو القول الثاني الذي يأخذ بالظاهر مع غض النظر عن أخبار «عالم الذر» والذي أظن أنه لا مانع من الجمع بين الأمرين ودلالة الآية عليهما ، فإنه لم يدل دليل على امتناع استعمال اللفظ في أكثر من معنى ، بل الذي يظهر في بعض الروايات أن بعض الآيات القرآنية تدل على أكثر من معنيين سواء كان المعنيان من باب المصداق أو لا ، كما أن في الآيات السابقة «إنّا عرضنا ..» يمكن الأمران ، وكان الظاهر اللفظي البلاغي يؤكد كون الألفاظ مسوقة للمعنى العرفي ، لا الخارجي ـ والله أعلم ـ. __________________ (1) الإسراء : 16. أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ ____________________________________