ثم حذّرهم سبحانه أن يصيبهم ما أصاب الأمم السالفة حيث كذّبوا وعصوا وعتوا عن أمر ربهم أَلَمْ يَرَوْاْ إستفهام تذكيري توبيخي، أي ألَم يعلموا -فإنّ الرؤية تُستعمل بمعنى العلم- كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ، أي من الأمم، والقرن أهل كل عصر، وسمّي بذلك لأنّ بعضهم يقترن ببعض، ولذا إختُلف في المدة المراد به لاختلاف الإعتبار مَّكَّنَّاهُمْ، أي تلك الأمم فِي الأَرْضِ بأن جعلناهم ملوكاً وقادة وساسة ذا عَدد وعُدد وإمكانيات مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ حيث كانوا هم أكثر تمكّناً منكم، والظاهر أنّ الخطاب خاص بالكفار في زمن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حيث كان السابقون أكثر تمكّناً منهم، لا يُقال أنّ من المحتمل كون بعض الأمم السالفة أكثر تمكّناً من جميع من يأتي إلى يوم القيامة حتى يكون الخطاب عاماً، لأنّ الجواب ظاهر، إذ قوله (ألَم يروا) ينافي ذلك فإنّ الناس لم يعلموا أخبار هكذا أمة -كما تقولون- بل ما رواه إنما هو أخبار الأمم التي كانت أقوى من الكفار في زمانه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا هو من درّ إذا هطل، ومدرار صيغة مبالغة، أي كثرة الهطول حتى عمّهم الخير والبَرَكة والثروة، والمراد بالسماء المطر بعلاقة الحال والمحل، كما قال الشاعر: {وإذا نَزَلَ السماء بأرضِ قومٍ --- رعيناه وإن كانوا غِضابا} وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ، أي مياههما بعلاقة الحال والمحال تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ، أي تحت قصورهم وأشجارهم، أو باعتبار أنّ الماء أسفل من سطح الأرض التي يمشون عليها، وكل ذلك لم يفدهم في بقاءهم وحُسن ذِكرهم فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ والمراد هلاكهم بذهاب أثَرَهم وانقطاع نسلهم وعَقِبهم وفناء حضارتهم بسبب عصيانهم وكفرهم مقابل الأبياء والصالحين الذين بقوا إلى يوم الناس هذا، وإنّ صلاحهم وحُسن أعمالهم سبب بقاء آثارهم وبقاء مناهجهم وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ، أي خلفناهم من بعدهم أمة أخرى وجماعة آخرين.