إنّ الكفار كانوا يستعظمون كيف يمكن أن يكون إنسان رسولاً بدون أن يكون له مال عريض أو عِلم غيب ذاتي يعينه في أموره وحوائجه، ويرد الله سبحانه عليهم ذلك بأنّ الرسالة لا ترتبط بهذه الأمور وإنما هي هداية ونور قُل يارسول الله لاَّ أَقُولُ لَكُمْ أيها الناس عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ التي يهب لمن يشاء ما يشاء، ومن المعلوم أنه ليس لله سبحانه خزائن بالمعنى المتعارف لدينا، بل خزائنه الأرض والشمس والمعادن وما أشبه، مما تفيض ثروة ومالاً، وفي الحديث القدسي: "إنما خزائني إذا أردت شيئاً أن أقول له كُن فيكون"، والمراد بعدم القبول عدم الوجود، فهو من السالبة بانتفاء الموضوع وَلا أقول أَعْلَمُ الْغَيْبَ كما يعلم الله سبحانه، بل إنما أعلم مما يوحى إليّ بإذن الله سبحانه، كما قال عيسى (عليه السلام): (وأنبّئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم)، وفي الآية الكريمة: (لا يظهر على غيبه أحداً إلا مَن ارتَضى من رسول) وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ كما أنكم تتوقعون أن يكون الرسول مَلَكاً إِنْ أَتَّبِعُ، أي ليس لي شأن إلاّ أن أتّبع و(إنّ) بمعنى "ما" مَا يُوحَى إِلَيَّ من الأوامر والنواهي لأجل الإرشاد والإصلاح قُلْ يارسول الله لهم إنّ مَثَل المؤمن والكافر كمَثَل البصير الذي يبصر الأشياء والأعمى الذي لا يبصر وهَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ؟ ولعلّ تقديم الأعمى لأنّ الخطاب كان مع الكفار الذين هم بمنزلة الأعمى أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ في الأمر وأنّ مقام الرسالة لا يرتبط بما ذكرتم من الأشياء.