ولما نزل تحريم الخمر والميسر قالت الصحابة : يارسول الله ما تقول في إخواننا الذين مضوا وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، يريدون : هل من إثم على الذين قُتلوا أو ماتوا قبل التحريم وهم يتعاطونها ؟ فنزلت هذه الآية لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ، أي إثم وحَرَج وعصيان فِيمَا طَعِمُواْ سابقاً قبل التحريم من الخمر وتعاطوا من الميسر وغلّب أحد اللفظين تخفيفاً كما قال الشاعر : علّفتها تِبناً وماءاً بارداً إِذَا مَا اتَّقَواْ (ما) زائدة وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ، أي إذا كان طعامهم مصاحباً للتقوى والإيمان والعمل الصالح، ثم إنّ الإنسان قد يكون مؤمناً وعاملاً للصالحات ولكنه ليس كتّقياً، أي ليس في نفسه حالة رادعة ومَلَكة الخوف من الله سبحانه، ولذا ذَكَرَ سبحانه التقوى في عِداد الإيمان والعمل الصالح، ثم كرّر سبحانه الجملة السابقة، أي (إتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات) بتعبير ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ بلا ذِكر العمل الصالح وثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ بلا ذِكر الإيمان، ولا يخفى أنّ الإحسان هو عبارة عن العمل الصالح، ولعل الوجه في التكرار إفادة الدوام في الصفات الثلاثة، أي إنّ عدم الجناح مشروط بالإيمان والتقوى والعمل الصالح -سابقاً- والإيمان والتقوى والعمل الصالح -مستمراً فيما بعد-، وقد كرّر (التقوى) في الجملة الثانية لتأكيد أنّ كلّاً من الإيمان ومن العمل الصالح لا ينفع بدون التقوى، والذي يقرّب إرادة الدوام من الجملة الثانية دخول (ثمّ) فيها فاستمرار التقوى مع الإيمان واستمرار التقوى مع العمل الصالح شرط في عدم الجناح، وهنا سؤال أنّ ظاره الآية إشتراط عدم الجناح بالطعام بالإيمان والتقوى والعمل الصالح، وإذا فرضنا أنّ الطعام كان محلّلاً -كما عرفتَ في شأن النزول إذ الخمر لم تُحرّم بعد- فما معنى هذا الشرط ؟ فقد كان شرب الخمر -قبل تحريمها- مباحاً حلالاً للمسلم والكافر، فأيّ معنى لتقييد التحليل بالإيمان ؟ ، والجواب : إنّ الشرط لا مفهوم له فليس المعنى : الجناح إذا لم يؤمنوا، إذ الشرط كما يُساق غالباً لبيان المفهوم نحو : إن جائك زيد فأكرمه، المفهوم منه : إن لم يجئك فلا تكرمه، يُساق أحياناً لبيان تحقق الموضوع نحو : إن رُزقت ولداً فأختنه، فإنه لا مفهوم له بـ : إن لم تُرزق ولداً فلا تختنه، إذ إن لم يُرزق ولداً يكون من السالبة بانتفاء الموضوع، وإنما الجملة : إن رُزقت، معناها : يجب الختنة للولد، وهنا كذلك إذ الآية مسوقة لبيان : إنّ المؤمنين الذين شربوا وهم متّقون عاملون بالصالحات ليس عليهم جُناح، في مقابل توهّم الأصحاب أنّ عليهم الجناح، لا أنه سيق للمفهوم حتى يُقال بعدم إستقامة مفهومه، ثم إنه من المحتمل أن يكون في تناول المباح للكفار حضر كما دلّ الدليل أنّ في تناول المباح للنُصّاب حضر، فمن شرب من الفرات من أعداء الصدّيقة الطاهرة (عليها السلام) كان شربه محرّماً، وعلى هذا فللمفهوم مجال واسع في الآية وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ الذين يُحسنون في أمورهم، وكأنه حث على الإحسان وإن لم يكن المُحسن من أهل الإيمان، ولا يخفى أنّ مَن طَعِمَ محرّماً وتذرّع لرفع الحد عنه بهذه الآية فهو مخطئ، إذ الآية تشترط في عدم الجناح الإيمان والتقوى والعمل الصالح، ومن المعلوم أنّ التقوى والعمل الصالح يتنافيان مع تناول المحرّم .